سماء الأردن على موعد مع القمر العملاق وشهب الأسديات في تشرين الثاني
تشهد سماء الأردن خلال شهر تشرين الثاني المقبل عدداً من الظواهر الفلكية، أبرزها اقتراب كوكبي المريخ والمشتري، وزخة شهب الأسديات، وظهور القمر العملاق واقترابه من عنقود الثريا النجمي، إلى جانب ظواهر فلكية أخرى تتيح فرصاً للرصد والتصوير.
ولا تقتصر أهمية الشهر على أحداثه الفلكية، إذ يرتبط في الموروث الشعبي الأردني بموسم "الوسم"، وما يحمله من دلالات زراعية ومناخية ارتبطت قديماً بحياة الإنسان ومراقبته للسماء، ومواسم الأمطار ونمو المراعي وقطاف الزيتون وتكاثر الماشية.
وقال رئيس الجمعية الفلكية الأردنية، الدكتور عمار السكجي، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن سماء المملكة ستشهد خلال الشهر المقبل اقترابات ظاهرية بين القمر والكواكب، ونشاطاً لعدد من زخات الشهب، إضافة إلى القمر العملاق، مشيراً إلى أن المناطق البعيدة عن التلوث الضوئي، مثل البادية الأردنية ووادي رم، توفر ظروفاً مناسبة لرصد هذه الظواهر.
وأوضح أن من أبرز الأحداث الفلكية اقتراب كوكبي المريخ والمشتري فجر 16 تشرين الثاني، إذ تصل المسافة الزاوية الظاهرية بينهما إلى نحو 1.2 درجة، ويمكن مشاهدتهما بالعين المجردة، حيث يظهر المشتري بلونه الأبيض المصفر ولمعانه القوي، مقابل اللون البرتقالي المحمر للمريخ.
وأضاف أن زخة شهب الأسديات تبلغ ذروتها خلال ليلة 17 وفجر 18 تشرين الثاني، وهي من الزخات الشهابية المعروفة المرتبطة بالمذنب الدوري تمبل–توتل، وتتميز بسرعتها العالية التي تصل إلى نحو 71 كيلومتراً في الثانية، وقد تترك الشهب الساطعة آثاراً ضوئية تستمر عدة ثوانٍ.
وبين أن المعدل المتوقع في الظروف المثالية يبلغ نحو 15 شهاباً في الساعة، وأن الفترة بين الثالثة والخامسة فجراً تعد من أفضل أوقات الرصد في الأردن، لا سيما في المناطق الصحراوية، دون الحاجة إلى استخدام التلسكوبات.
وأشار إلى أن كوكب عطارد ستبلغ استطالته الغربية العظمى في 20 تشرين الثاني، بما يوفر فرصة لرصده في الأفق الشرقي قبيل شروق الشمس، فيما يظهر القمر المتزايد بالقرب من كوكب زحل يومي 20 و21 من الشهر.
ولفت إلى أن القمر سيصل إلى طور البدر يوم 24 تشرين الثاني، عند الساعة 5:53 مساءً بتوقيت الأردن، ضمن ظاهرة "القمر العملاق"، نتيجة وقوع اكتمال البدر بالقرب من الحضيض المداري للقمر، أي أقرب نقطة له من الأرض، موضحاً أن القمر سيشرق في عمّان قرابة الساعة الخامسة وعشر دقائق مساءً.
ويتزامن البدر مع اقتراب القمر من عنقود الثريا النجمي في كوكبة الثور، في ظاهرة تُعرف في الموروث الشعبي باسم "قران خمسة عشر"، وهي من الظواهر التي ارتبطت بملاحظات الناس لحركة القمر ومنازل النجوم، وما صاحبها من تسميات ودلالات في التقويم الشعبي.
وفيما يتعلق بالموروث الفلكي والزراعي، قال، المهتم بالتقويم الشعبي البدوي الأردني راضي القفعان، إن شهر تشرين الثاني يقع ضمن موسم "الوسم"، وهو أحد المواسم المعروفة بالتقويم الشعبي، ويرتبط بانخفاض درجات الحرارة وتزايد فرص هطول الأمطار.
وأوضح أن تسمية الوسم جاءت من الاعتقاد الشعبي بأن أمطاره "تسم" الأرض بالنبات، أي تترك أثراً يظهر لاحقاً مع نمو الأعشاب والمراعي، ما جعله موسماً ذا أهمية كبيرة في حياة المجتمعات الزراعية والرعوية.
وبحسب التقويم الشعبي الشائع، يمتد الوسم 52 يوماً، من 16 تشرين الأول وحتى 6 كانون الأول، ويتكون من 4 منازل نجمية، مدة كل منها 13 يوماً، هي العواء، والسماك الأعزل، والغفر، والزبانا، أو "الزباني"، وفق التسمية المتداولة في التقويم الشعبي الأردني.
ويشهد شهر تشرين الثاني 3 مراحل من هذا الموسم؛ إذ تمتد منزلة السماك الأعزل من 29 تشرين الأول وحتى 10 تشرين الثاني، تليها منزلة الغفر من 11 وحتى 23 تشرين الثاني، ثم منزلة الزبانا من 24 تشرين الثاني وحتى 6 كانون الأول.
وترتبط هذه المنازل في الموروث الشعبي بتغيرات الطقس وتقدم فصل الخريف، إذ تمثل السماك الأعزل مرحلة ازدياد برودة الليالي، فيما تتزامن منزلة الغفر مع تراجع درجات الحرارة وزيادة فرص الاضطرابات الجوية، وتأتي الزبانا بوصفها المرحلة الأخيرة من الوسم، التي تسبق دخول مربعانية الشتاء.
وأشار القفعان إلى ارتباط هذه الفترة بأمطار "الثروي"، المنسوبة إلى اقتران القمر بالثريا في الليلة السابعة عشرة من الشهر القمري، كما تعرف بعض هذه الأمطار باسم "البدري"، وترتبط أيضاً بظاهرة "قران خمسة عشر" التي تتزامن مع نهاية تشرين الثاني.
ولفت إلى أن هذه الفترة تتزامن كذلك مع بداية قطاف الزيتون وموسم تكاثر الماشية، ولا سيما الأغنام، حيث تطلق تسمية "البدري" على بعض مواليدها لارتباطها ببداية الموسم، في دلالة على الصلة التي أقامها الموروث الشعبي بين حركة النجوم ومواعيد الأنشطة الزراعية والرعوية.
وأضاف أن موسم الوسم ارتبط تاريخياً بأهمية الأمطار في إنبات الأرض وتحسين المراعي، فضلاً عن دوره في تحديد مواسم الزراعة والرعي، وهو ما انعكس في الأمثال والتسميات الشعبية التي تناقلتها الأجيال.
وتحمل كل منزلة من منازل الوسم ارتباطاً نجمياً؛ فالسماك الأعزل يرتبط بنجم لامع في كوكبة العذراء، فيما ترتبط منزلة الغفر بمجموعة من النجوم في الكوكبة ذاتها، أما الزبانا فترتبط بنجمي الزباني الجنوبي والشمالي في كوكبة الميزان، اللذين ارتبط اسماهما تاريخياً بزباني العقرب.
وأكد القفعان أهمية التمييز بين المواعيد الثابتة لمنازل الوسم في التقويم الشعبي وبين الظهور الفعلي للنجوم في السماء، إذ تتأثر رؤية النجوم بموقع الراصد وارتفاعها وسطوعها والظروف الجوية، مشيراً إلى أن دخول منزلة نجمية لا يعني أنها تسبب التغيرات المناخية، وإنما تعكس نظاماً تقويمياً تراثياً نشأ عن الملاحظة المتراكمة للفصول والظواهر الطبيعية.
وتجمع هذه الفترة، وفق المعطيات الفلكية والموروث الشعبي، بين المعرفة العلمية بحركة الأجرام السماوية والتجربة المتوارثة في مراقبة المواسم الزراعية والمناخية، بما يعكس عمق العلاقة التاريخية بين الإنسان الأردني والسماء والأرض.
























