الحلقة الثامنة عشرة من سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني
نبأ الأردن -
حكومة الشريف عبد الحميد شرف (1979): صدمة التحديث الإيجابية وهندسة التوازنات النخبوية
بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة
****
توطئة: إيماناً بجدوى التوثيق الرصين، وابتعاداً عن السجال السياسي اليومي، نواصل اليوم نشر الحلقة الثامنة عشرة من سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني"، المستلهمة من مسار دراستي الأكاديمية حول آليات صناعة النخبة السياسية الأردنية. نسعى من خلالها لقراءة محطات دولتنا بموضوعية وتجرد؛ حمايةً لذاكرتنا الوطنية، ووضعاً لتجارب أصحاب القرار بين يدي الأجيال القادمة لتكون أثراً أبقى وأكثر نفعاً.
****
السياق السياسي لتشكيل "الوزارة السبعون":
تُعد حكومة الشريف عبد الحميد شرف واحدة من أكثر الحكومات الأردنية تكثيفاً للدلالات السوسيولوجية والسياسية؛ فقد عكست بوضوح رغبة مؤسسة العرش في إحداث "صدمة تحديثية إيجابية" في بنية الإدارة العامة. تشكلت هذه الوزارة في 19 كانون الأول 1979 برئاسة الشريف عبد الحميد شرف، الذي احتفظ لنفسه أيضاً بحقيبتي الخارجية والدفاع.
جاء هذا التكليف لشخصية من العائلة المالكة عُرفت بفكرها التقدمي وانفتاحها، ليمثل رسالة بأن التحديث الشامل يحظى بغطاء سيادي، مما وفر شرعية استثنائية للحكومة التي ضمت في تشكيلتها 22 وزيراً.
****
المسار التدرجي في المناصب التنفيذية:
لم يكن تكليف الشريف عبد الحميد شرف برئاسة الوزراء قفزة مفاجئة، بل كان تتويجاً لتدرج نخبوي وتنفيذي مدروس. فقد بدأ مساره الوزاري بشغل منصب وزير الإعلام في تعديل جرى في 31 تموز 1965 على حكومة الرئيس وصفي التل المشكلة في 13 شباط 1965. واستمر في ذات المنصب في حكومة التل التالية المشكلة في 22 كانون الأول 1966. كما عاد ليحمل حقيبة الإعلام في حكومة الشريف حسين بن ناصر المشكلة في 4 آذار 1967، وفي حكومة الرئيس سعد جمعه الأولى المشكلة في 23 نيسان 1967. هذا التدرج التراكمي في دوائر القرار والتوجيه السياسي أكسبه خبرة عميقة مهدت لتكليفه لاحقاً بتشكيل حكومته اواخر العام ١٩٧٩.
****
الاختراق الجندري ومأسسة الرعاية الاجتماعية:
لعل الحدث الأبرز والأكثر رسوخاً في تاريخ هذه الحكومة هو الاختراق الاجتماعي والهيكلي غير المسبوق؛ فقد سجلت هذه الحكومة سابقة تاريخية بدخول المرأة الأردنية إلى التشكيل الوزاري لأول مرة في تاريخ الأردن. تمثل ذلك بتعيين السيدة إنعام المفتي وزيرة للتنمية الاجتماعية.
لم يقف الأمر عند حدود التعيين الشخصي، بل تضمنت مراسيم التشكيل إنشاء "وزارة التنمية الاجتماعية" كوزارة جديدة لأول مرة. عكس هذا القرار تحولاً جذرياً في تعاطي الدولة مع قضايا المجتمع، منتقلة من مفهوم "العمل الخيري الأهلي" إلى "الرعاية المؤسسية الممنهجة".
****
هندسة الاستيعاب الأيديولوجي والمزاوجة التكنو-عشائرية:
من خلال التفكيك السوسيولوجي لأسماء الوزراء وحقائبهم، تبرز براعة النظام السياسي الأردني في هندسة التوازنات:
• الاستيعاب الفكري: تم إدماج شخصيات ذات خلفيات يسارية وقومية معتدلة (مثل د. جمال الشاعر كوزير للشؤون البلدية)، مما ساهم في تحويل أقطاب المعارضة الفكرية إلى شركاء في التنمية. وفي المقابل، حوفظ على التوازن مع الشارع المحافظ عبر تعيين شخصيات كمعالي كامل الشريف (إخوان مسلمين سابقاً) وزيراً للأوقاف.
• المزاوجة التكنوقراطية - العشائرية: خلقت الحكومة توازناً دقيقاً بدمج كفاءات اقتصادية وعلمية شابة كالدكتور جواد العناني (وزيراً للتموين) والمهندس علي النسور (وزيراً للصناعة والتجارة) والدكتور زهير ملحس (وزيراً للصحة)، مع شخصيات تمتلك ثقلاً عشائرياً ومناطقياً وازناً كالدكتور محمد عضوب الزبن (وزيراً للمواصلات) والدكتور موفق الفواز (وزيراً للسياحة والآثار).
****
مشروع "ترشيد الاستهلاك" والمكاشفة الإدارية:
لم تكتفِ حكومة الشريف عبد الحميد شرف بالهندسة النخبوية والسياسية، بل قادت مشروعاً إدارياً واقتصادياً جريئاً عُرف آنذاك بـ "حملة ترشيد الاستهلاك". أدرك رئيس الوزراء أن التحديات الاقتصادية التي تواجه الأردن تتطلب مكاشفة حقيقية مع الشارع، فبدأ بنفسه وبطاقمه الوزاري عبر تقليص النفقات الحكومية، وضبط استخدام السيارات الرسمية، والحد من مظاهر البذخ المؤسسي. لقد شكل هذا التوجه محاولة جادة لمكافحة الترهل الإداري، وكسر الحواجز البيروقراطية بين المسؤول والمواطن، مما رفع من منسوب الشعبية والثقة بهذه الحكومة في أوساط الشارع الأردني الذي تلمّس جدية استثنائية في نهج الإدارة العامة.
****
العمق الفكري والدبلوماسية العروبية:
على الصعيد الخارجي، انعكست الخلفية الفكرية والدبلوماسية العميقة للشريف عبد الحميد شرف (والذي شغل سابقاً مناصب سفير الأردن في واشنطن والأمم المتحدة، ورئيس الديوان الملكي) على بوصلة الحكومة الخارجية.
ففي مرحلة إقليمية بالغة التعقيد (عقب اتفاقيات كامب ديفيد والاضطرابات الإقليمية المحيطة)، تبنت الحكومة خطاباً عروبياً متزناً، يدافع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويسعى لتمتين التضامن العربي. لقد وظفت الحكومة أدواتها التكنوقراطية والدبلوماسية لتقديم الأردن كدولة مؤسسات حديثة قادرة على التفاعل مع المجتمع الدولي بندية واقتدار.
****
المحطات السياسية والنهاية المفاجئة:
على الصعيد المؤسسي والسياسي، شهد عهد هذه الحكومة إعادة تشكيل المجلس الوطني الاستشاري الثاني. كما نشطت الحكومة دبلوماسياً، حيث قام كل من الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان، وولي العهد ورئيس وزراء الكويت الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، ووزير خارجية اليابان سابورو أوكيتا بزيارات رسمية للأردن صدرت عنها بيانات مشتركة.
رغم هذه الانطلاقة القوية والزخم التحديثي، لم يمتد العمر الزمني لهذه الوزارة طويلاً. فقد وبعد حوالي سبعة أشهر تقريباً من توليها المسؤولية، انتقل رئيسها الشريف عبد الحميد شرف إلى رحمته تعالى إثر نوبة قلبية حادة في 3 تموز 1980 وهو على رأس عمله.
وبموجب الدستور، اعتبرت الوزارة في حكم المستقيلة في هذه الحالة، لتنطوي صفحة حكومة قصيرة العمر، لكنها عميقة الأثر في تاريخ الإدارة السياسية الأردنية.
****
المراجع والمصادر الأساسية:
1. أبو غنيمة، زياد. التمثيل العشائري والعائلي في الحكومات الأردنية (الجزء الأول).
2. خير، هاني سليم . السجل التاريخي المصور لمجالس: الوزراء، الأعيان، التشريعي، الوطني الاستشاري، النيابي، مجلس العشائر (1920-1990).
3. الوثائق الرسمية: كتاب التكليف السامي للشريف عبد الحميد شرف وردّه عليه (كانون الأول 1979). الإرادات الملكية، الجريدة الرسمية للمملكة الأردنية الهاشمية.
4. الشاعر، جمال. (١٩٨٧). سياسي يتذكر: تجربة طبيب أردني في الحزب والسلطة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

























