سامر وماهر وسمير وناصر أمام رحيل أمهم... رجال أعادتهم دموع الفقد إلى طفولة الحنين
نبأ الأردن -
كتب علاء الذيب - اليوم رأيت مشهدا لن يغادر ذاكرتي بسهولة رأيت سامر وماهر وسمير وناصر أبناء المرحومة فردوس القصراوي الجاغوب وهم يبكون رحيل أمهم رأيت في عيونهم حزنا أكبر من الكلام ووجعا لا تستطيع الحروف أن تصفه ورأيت رجالا أنهكتهم الحياة وكبرت بهم السنوات وأتعبتهم الأمراض لكنهم أمام فقدان أمهم عادوا أطفالا صغارا يبحثون عن حضنها ويشتاقون إلى صوتها وحنانها وكأن العمر كله لم يكن سوى رحلة طويلة تنتهي عند باب الأم .
ما أقسى أن يفقد الإنسان أمه مهما بلغ من العمر ومهما اشتدت سواعده ومهما حمل من هموم ومسؤوليات فالأم هي المكان الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يعود إليه دون أن يتصنع القوة أو يخفي ضعفه هي الحضن الذي لا يحتاج فيه المرء إلى تفسير دموعه ولا إلى تبرير حزنه ففي حضرة الأم تسقط كل ألقاب الكبر وتذوب كل مظاهر القوة ويعود الإنسان كما ولد أول مرة طفلا يحتاج إلى الحنان والأمان .
لقد علمتني دموع سامر وماهر وسمير وناصر اليوم أن بر الأم لا ينتهي عند عمر معين وأن مكانتها في القلب لا تصغر مع مرور السنين بل تكبر وتزداد رسوخا وأن الإنسان مهما عاش يبقى مدينا لأمه بأشياء لا يستطيع أن يردها مهما فعل فالأم ليست مجرد إنسانة أنجبت أبناءها بل هي عمر من العطاء وسنوات من السهر والتعب والخوف والدعاء وهي التي تمنح دون أن تنتظر مقابلا وتسامح دون أن تطلب اعتذارا وتحب دون أن تضع شروطا .
أما المرحومة فردوس القصراوي الجاغوب فقد كان لرحيلها وقع كبير في قلوب أبنائها ومحبيها وما أجمل أن يرحل الإنسان وتبقى سيرته الطيبة شاهدة له وما أعظم أن تكون المرأة قد زرعت في قلوب أبنائها كل هذا الحب حتى يكون فراقها وجعا بهذا الحجم فالقلوب لا تبكي لمجرد الغياب بل تبكي على عمر من الذكريات وعلى تفاصيل صغيرة كانت تصنع معنى الحياة وعلى صوت اعتادته الروح ووجه كان يمنح الأيام طمأنينة لا يعرف الإنسان قيمتها كاملة إلا حين يفقدها .
إن الأم الحنونة والكريمة والمعطاءة لا تكون أما لأبنائها وحدهم بل تمتد يدها بالخير إلى كل من حولها وتترك في نفوس الناس أثرا لا تمحوه الأيام فالإنسان الذي يزرع المحبة يحصدها دعاء ووفاء ودموعا صادقة عند الرحيل ولهذا فإن البكاء على الأم ليس ضعفا ولا قلة صبر بل هو شهادة حب ووفاء واعتراف بفضل لا يمكن أن تنصفه الكلمات فهناك أمهات يرحلن بأجسادهن لكنهن يبقين حاضرات في كل زاوية وفي كل دعاء وفي كل ذكرى جميلة تركنها خلفهن .
ومن أعظم صور البر أن يبقى الإنسان وفيا لأمه في حياتها وبعد مماتها وأن يحرص على رضاها ما استطاع وأن يلين لها القول ويخفض لها جناح الرحمة ويصبر على تعبها ويجعل خدمتها شرفا لا عبئا وأن يدرك أن الأيام التي تجمعه بها كنز لا يعوض فإذا رحلت كان برها بالدعاء والاستغفار والصدقة عنها وصلة رحمها وإكرام من تحب والمحافظة على ما غرسته في أبنائها من خير فبر الأم ليس كلمات تقال في المناسبات بل سلوك يومي ومواقف صادقة ووفاء يستمر حتى بعد أن ينقطع اللقاء .
ما زالت دموع سامر وماهر وسمير وناصر أمام عيني وكأنها تقول لنا جميعا إن الإنسان مهما كبر يبقى صغيرا أمام فقد أمه وإن الدنيا مهما أعطتنا لا تستطيع أن تعوضنا عن حضنها .
رحم الله فردوس القصراوي الجاغوب رحمة واسعة وجعل ما قدمته من خير وحنان وعطاء في ميزان حسناتها وجعل قبرها روضة من رياض الجنة وألهم أبناءها وأهلها ومحبيها جميل الصبر والسلوان ولعل أصدق ما يمكن أن نقوله بعد هذا المشهد أن الأم حين ترحل لا تأخذ معها جزءا من حياتنا فحسب بل تأخذ معها ذلك الطفل الذي كنا نكونه كلما ضاقت بنا الدنيا وكنا نعلم أن هناك حضنا ينتظرنا مهما طال بنا العمر.

























