عبدالله بني عيسى يكتب : احذروا الكاتب الشعبوي.. المعركة لديه أهم من الحقيقة

عبدالله بني عيسى يكتب : احذروا الكاتب الشعبوي.. المعركة لديه أهم من الحقيقة
نبأ الأردن -
الأردن مبتلى بكتّاب شعبويين لا أبالغ إن قلت إنهم من عناوين التأزيم واستعصاء الحال. وبعض المؤسسات للأسف تجاملهم أحياناً، وتفتح لهم الأبواب، وتتجاوب مع عناوينهم المُثارة التي لا تحتمل، في كثير من الأحيان، كل هذا الضجيج، ربما فقط لأنها لا تريد تحمل كلفة الاصطدام مع "الموجة العامة".
هؤلاء لا يكتفون بترديد الأفكار غير العلمية وغير المنطقية، بل يساهمون، بفضل حضورهم وشعبيتهم، في تحويلها إلى مسلمات لا تقبل التشكيك. ومع الوقت، يصبح مجرد مناقشة هذه الأفكار أو الاعتراض عليها تهمة جاهزة، ويغدو صاحب الرأي المختلف متهماً بأنه منافق أو خصم للمجتمع.
الكاتب الشعبوي لا تكون الحقيقة ضالته التي يبحث عنها باستمرار، بل المعركة التي تضمن له البقاء في المشهد وحصد التفاعل.
ولكي تستمر المعركة، لا بد من عدو دائم لا يتوقف عن شتمه والتحريض عليه: إسرائيل، العرب المتصهينون، الأردنيون المتأمركون، النخب الفاسدة، الأغنياء الذين أثروا على حساب الفقراء، المخمليون، الكارهون لديننا، المستهدفون لتقاليدنا، الساعون إلى إفساد بناتنا ونسائنا، وكلاء "سيداو" في الأردن، العلمانيون، الملاحدة، شيوخ التطرف.. إلى آخر القائمة التي لا تنتهي.
يستدعي الكاتب الشعبوي مظلومية جاهزة، ويوهم قراءه بأن ما يقوله هو بوصلة كرامتهم، والطريق إلى استعادة حقوقهم "المسلوبة" أو "المنقوصة". لا يناقش مشكلة بقدر ما يمنح الجمهور رواية مريحة عنها: هناك من ظلمكم، وهناك من سرق حقوقكم، وهناك من يتآمر عليكم، وأنا هنا لأقول لكم ما لا يقوله من خذلكم وباع قلمه لمصلحته!!. أما الحقيقة، بما تتطلبه من تفكيك للأسباب، وتمييز بين الوقائع والانطباعات، واعتراف بتعقيد المشكلات، فهي غالباً آخر ما يكون هدف هذا النوع من الخطاب.
يتعامل الكاتب الشعبوي مع الأخطار بوسائل عدة، بينها تعمد تضخيم خطر موجود، أو تحويل أمر محتمل إلى يقين لا يقبل الشك، ثم حشد الناس خلفه. لاحظوا أن هؤلاء لديهم دائماً رغبة في عسكرة الساحة الأردنية، وكأن البلاد لا تعيش إلا على حافة المواجهة: «وين الدولة؟»، «وين الخنادق؟»، «الخطر على الأبواب»، «وين الطوارئ؟»، «بدنا حكومة بقدر التحديات»، «سلحوا الناس»، «بدنا خطاب بحجم الخطر القادم».
قد تكون الأخطار موجودة فعلاً، وقد تستدعي التحوط والاستعداد، لكن الدول المتزنة الواثقة لا تتعامل معها بهذه الهوبرات التافهة، ولا تجعل الاستنفار الدائم بديلاً عن التقدير الهادئ للمخاطر. 
ومن أدوات الكاتب الشعبوي أيضاً اللعب على التناقضات. وهو لا يحتاج بالضرورة إلى اختلاقها؛ يكفي أن ينتقي منها ما يثير المشاعر، ويعرضها بطريقة توحي بأننا أمام انقسام عمودي في المجتمع، أو دليل قاطع على فساد منظومة كاملة. "نص الشعب جوعان والفاسدين يدفعون 400 دينار لحفلة غنائية في العقبة" "الأغنياء يعالجون أمريكا وأوربا وتاركين الشعب يتمرمط وراء وراء موعد لصورة أشعة" "سكرتيرة تتقاضى راتبا يوازي رواتب عشرة جنود يقفون على الجبهة ليل نهار".. الخ.
في ظاهر المقارنة مفارقة تستحق النقاش، وقد تكشف بالفعل تفاوتاً في الدخول أو خللاً في توزيع الفرص. لكن مجرد وجود الفقر في مكان والرفاه في مكان آخر لا يثبت، بذاته، أن أحدهما سبب الآخر، ولا أن كل تفاوت دليل على فساد هنا أو نهب هناك.
الفوارق في مستويات الدخل والاستهلاك موجودة في مجتمعات العالم كلها، وكانت موجودة حتى إبان عز الاتحاد السوفياتي. لكن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤولية معالجة الفقر، ولا يعفي الكاتب من واجب التمييز بين تفاوت طبيعي في الدخول، وتفاوت غير عادل في الفرص، واحتكار، وفساد، واستغلال للمال العام. هذه قضايا مختلفة، ولكل منها أدلتها وحلولها.
المشكلة أن تفكيك هذه الفوارق يحتاج إلى معرفة وأرقام وتحليل، فيما يكفي الكاتب الشعبوي أن يضع صورتين متناقضتين جنباً إلى جنب، ثم يترك الغضب يتولى بقية المهمة.
ويستثمر الكاتب نفسه الصورة النمطية عن مجتمعات الأغنياء، فيصورها باعتبارها مجتمعات فاسدة نهبت البلد وأثرت على حساب الفقراء: «أصبحوا أغنياء بفضل ضرائبنا»، «مصوا دماءنا». الجميع من وجهة نظره يصبحون فئة واحدة تستحق الإدانة "قلم قايم".
أنا هنا لا أدافع عن الأثرياء، ولا أنكر وجود فساد أو تفاوت غير عادل، بل أدافع عن حقائق ينبغي ألا تضيع وسط التحريض. فالفساد يُثبت بالأدلة، والثراء ليس جريمة في ذاته، وليس كل فقر وراءه فاسد تسبب به.
في السياق نفسه، يتلاعب الكاتب الشعبوي بمخاوف الناس على الدين والتقاليد والأسرة. يصور كل نقاش في حقوق النساء أو خياراتهن أو التشريعات المتعلقة بهن باعتباره استهدافاً للقيم الراسخة في المجتمع، أو محاولة لهدم "آخر الحصون الأخلاقية". ويستدعي عناوين من قبيل أن هناك من يريد إفساد بناتنا ونسائنا، أو أن وكلاء سيداو يسعون إلى تدمير الأسرة ليسهل تمرير مخططات الغرب والصهاينة..الخ.
الأخطر أن هذا الخطاب قد يتخذ نبرة عنصرية واضحة، فيحتكر البلاد في جغرافيا معينة، أو لون واحد أو معتقد واحد أو تقاليد واحدة، ويسأل المختلفين: «من أنتم؟»، و«هؤلاء غرباء عنا»، و«لا يشبهوننا»، فيما يردد آخرون: «نحن من حمينا»، أو«نحن من عمرنا».
المشكلة أن هؤلاء الكتّاب يحظون في عصر وسائل التواصل الاجتماعي بشهرة واسعة، ويجدون من يغذي هذه الشهرة باستمرار، بحسن نية أو بغيرها. يتفاعل معهم المؤيدون، ويشتبك معهم المعارضون، وتتحول منشوراتهم إلى ساحات سجال لا تنتهي. وفي الحالتين، قد تكافئ الخوارزميات المحتوى الذي يستثير التفاعل، فتمنحه انتشاراً أوسع، بصرف النظر عن قيمته المعرفية أو دقة ما يطرحه.
بل إن بعض معارضيهم يساهمون، من حيث لا يريدون، في توسيع حضورهم، حين يدخلون معهم في جدالات متكررة تمنحهم مزيداً من المشاهدات والتعليقات والمتابعين. وهكذا يصبح الهراء، متى كان صاخباً بما يكفي، أكثر قدرة على الوصول من التحليل الهادئ الذي يحتاج إلى وقت وجهد لفهمه.
ما يزيد من خطورة "الشعبويين" وجود من يحتضنهم داخل بعض المؤسسات الرسمية. نعم، يُحتفى ببعضهم، ويتصدرون مجالس مسؤولين سابقين وحاليين، ويُدعون إلى مناسبات رسمية وشعبية، وربما يحرص مسؤولون كبار على التواصل اليومي معهم، إما رغبة في استثمار شعبيتهم، أو لأن خطابهم يروق لهم ويتقاطع مع تصوراتهم.
استرضاء الجمهور لا يعني بالضرورة احترامه، مثلما أن رفض موجة شعبوية لا يعني بالضرورة تجاهل الناس. فالمؤسسات مسؤولة عن الاستماع إلى مخاوف المواطنين، لكنها مسؤولة أيضاً عن التمييز بين المخاوف الحقيقية والمبالغات، وبين المطالب العادلة والحملات التي تستثمر في الانفعال، وبين النقد المشروع والتحريض على فئات من المجتمع.
في المقابل، وربما من الإيجابيات المهمة في الأردن أن المؤسسات العميقة الراسخة في العمل العام ما تزال، على الأقل في القضايا الكبرى، قادرة في كثير من الأحيان على التعامل بمنطق مؤسسي متزن، والتحرك إزاء أخطر الملفات بهدوء، وبأدوات تستهدف النأي بالبلاد عن مخاطر المواجهات الكبرى. وهذه ميزة ينبغي الحفاظ عليها، لا أن تتحول إلى استثناء محاصر بضجيج المنصات وضغوط أصحاب الشعبويات.
بالمناسبة، أنا لا أطالب الكتّاب بأن يكونوا متصالحين مع الجميع، ولا بأن يتجنبوا الصدام مع السلطة أو المجتمع. من حقهم أن يغضبوا، وأن ينتقدوا، وأن يرفعوا أصوتهم. لكن عليهم أن يعرفوا أن ثمة فارقاً بين كشف التناقضات واستغلالها، وبين الدفاع عن الناس وتحويل مخاوفهم إلى وقود لشعبويات مدمرة في مجتمع يعاني مشكلات حقيقية متعددة جعلته يبحث عن أي تفسير مريح لسوء الحال ورداءة الوضع، وإن كان هذا التفسير لا يقدم حلولا بقدر ما يثير المخاوف ويلعب بالمشاعر لغايات غير بريئة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions