بعد إحالته إلى التقاعد .. رسالة من المحافظ نايف الهدايات
نبأ الأردن -
أحال مجلس الوزراء محافظ عجلون نايف عودة بن هداية الحجايا إلى التقاعد بعد رحلة طويلة من العمل في وزارة الداخلية.
وكتب الهدايات مستذكراً رحلته في العمل العام وزملاء الدرب:
حين تنتهي رحلة الوظيفة، تبقى حكاية الانتماء مفتوحةً لا تعرف الختام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله في البدء والختام، الحمد لله الذي يهب البدايات عزيمة، ويمنح النهايات حكمة، ويجعل في كل مرحلة من العمر أثراً يستحق أن يُروى، وفي كل رحلة من رحلات العطاء ذكرى لا يمحوها مرور الأيام. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
فما أصعب أن يقف المرء على عتبة الوداع بعد رحلة طويلة من العمل والعطاء، وما أثقل الكلمات حين تحاول أن تختصر سنواتٍ من العمر، ووجوهاً ألفتها الروح، ومواقف حفرتها الذاكرة، وأماكن شهدت خطواتنا الأولى، ثم رافقتنا حتى اللحظة الأخيرة. اليوم، وأنا أستقبل قرار إحالتي إلى التقاعد من وزارة الداخلية، لا أودّع وظيفة فحسب، بل أستحضر فصلاً عزيزاً من عمري، عشت فيه للوطن، واجتهدت فيه أن أكون على قدر الأمانة، وأن أترك خلفي أثراً طيباً يليق بشرف الخدمة العامة.
وفي هذا المقام، أتشرف بأن أرفع إلى مقام سيدي صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني المعظم، أسمى آيات الولاء والانتماء، وعظيم الشكر والامتنان، سائلاً المولى عز وجل أن يحفظ جلالته، ويديم عليه الصحة والعافية، ويعزّ ملكه، وأن يبقى الأردن عزيزاً آمناً مستقراً، تظلله راية الهاشميين، وتمضي به قيادته الحكيمة نحو آفاق العزة والازدهار.
كما أتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير إلى دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، ومعالي وزير الداخلية مازن الفراية، لما حظيت به من دعم وثقة ومساندة كان لها بالغ الأثر في مسيرتي العملية، وعوناً لي على مواصلة أداء واجبي بكل إخلاص ومسؤولية، وإنني إذ أعبّر عن امتناني لهما، فإنما أعبّر عن تقديري لكل موقف كريم، ولكل كلمة دعم، ولكل مساحة ثقة منحتني الدافع لأمضي في عملي مؤمناً بأن خدمة الوطن شرف، وأن تحمل المسؤولية عهد لا يجوز التفريط به.
ولا يفوتني في هذه اللحظة أن أخصّ أصحاب المعالي وزراء الداخلية الذين تشرفت بالعمل بمعيتهم خلال سنوات خدمتي، بوافر الشكر وصادق التقدير والاحترام، فقد كانوا رجالاً أعتز بمعرفتهم، وأحفظ لهم مواقفهم الطيبة، وأقدّر ما جمعني بهم من تعاون وتجارب ومواقف ستبقى حاضرة في الوجدان، وإن تبدلت المواقع وتعاقبت المسؤوليات، فإن جميل المواقف لا يتبدل، وفضل الرجال الكرام لا تنال منه الأيام.
أما أنتم، زملائي وزميلاتي، إخوتي وأخواتي، رفاق الدرب وشركاء الرحلة، فلكم من القلب تحية لا تكفيها الكلمات، ولكم من الوفاء ما تعجز العبارات عن حمله، كيف لي أن أودّعكم، وأنتم جزء من تفاصيل هذه السنوات، وشهود على بداياتها وتحدياتها ونجاحاتها؟ كيف أختصر رحلة جمعتنا فيها المسؤولية، وصقلتنا فيها المواقف، وقربتنا فيها الأيام، حتى غدوتم أكثر من زملاء عمل، غدوتم إخوةً وأصدقاء ووجوهاً ألفتها الروح، وستفتقدها العين حين يغيب موعد اللقاء اليومي؟
ما زلت أذكر يومي الأول في العمل، كأنما الأمس لم يمضِ، وأقف اليوم عند يومي الأخير، فأجد بين البدايتين عمراً من التجارب، وصفحات من الذكريات، وأسماءً لا تغيب عن القلب، أذكر كل من عمل معي، وكل من مدّ يده بالعون، وكل من شاركني مسؤولية أو مشورة أو موقفاً، وكل من بذل وقته وجهده وخبرته ليكون العمل أكثر إتقاناً، والخدمة أكثر قرباً من الناس، لكم جميعاً محبتي وامتناني، فما كان لهذا الطريق أن يبلغ محطته الأخيرة بهذا الرضا لولا ما وجدته منكم من إخلاص وتعاون وصدق انتماء.
لقد مضينا معاً في رحلة لم تكن دائماً مفروشة باليسر، لكنها كانت عامرة بالإيمان بالواجب، والإصرار على الإنجاز، والحرص على أن تظل المسؤولية أكبر من التعب، وأن يبقى الواجب مقدماً على الراحة، واجهتنا تحديات، وعبرنا محطات، وتعلمنا أن العمل العام ليس مجرد ساعات نقضيها أو مهام ننجزها، بل أمانة نحملها، وحقوق للناس نسعى إلى صونها، وثقة لا تكتمل قيمتها إلا حين نكون جديرين بها. وقد حرصت، منذ خطوتي الأولى وحتى آخر يوم في عملي، على أن أؤدي ما استطعت من واجبي بصدق وإخلاص، وأن أبذل جهدي دون أن أدّخر وسعاً، مستعيناً بالله، ومسترشداً بضميري، ومقدّماً مصلحة الوطن على ما سواها.
ومن أعظم النعم التي أعتز بها في مسيرتي أن الله أتاح لي فرصة العمل في مناطق متعددة من مملكتنا الحبيبة، فكانت لي مع الأردنيين في مختلف مواقعهم لقاءات وتجارب لا تقدّر بثمن، هناك، بين الناس وفي تفاصيل حياتهم اليومية، عرفت الأردن كما أحب أن أراه دائماً: وطناً يتكئ على أصالة أهله، ويستمد قوته من إخلاص أبنائه، ويواجه التحديات بإرادة لا تلين ، اقتربت من هموم المواطنين، واستمعت إلى مطالبهم، ولمست ما يحملونه من محبة لوطنهم وحرص على استقراره وتقدمه، واجتهدت أن أكون عوناً لهم، وأن أيسّر ما استطعت من أمورهم، وأن أجعل من موقعي وسيلة لخدمتهم لا حاجزاً بينهم وبين حقوقهم.
وإنني، وأنا أستعيد هذه المحطات، أسأل الله أن أكون قد وفّقت في أداء الأمانة، وأن أكون قد تركت في نفوس من التقيتهم أثراً طيباً وذكرى حسنة ، فإن أصبت فمن فضل الله وتوفيقه، وإن قصّرت أو أخطأت فذلك من طبيعة البشر، وأرجو ممن حالت الظروف دون تلبية مطلبه، أو لم أوفّه حقه كما كان يرجو، أن يتقبل اعتذاري الصادق؛ فما حملت في يوم من الأيام إلا نية الخدمة، وما قصدت في عملي إلا الخير، وما أردت إلا أن أكون عند حسن الظن والمسؤولية.
واليوم، إذ أضع نهاية لمرحلة من حياتي الوظيفية، فإنني لا أضع نهاية لعلاقتي بالوطن، ولا أخلع عن قلبي ثوب الانتماء، ولا أظن أن التقاعد يعني أن يترجل المرء عن واجب المحبة والعطاء. تنتهي اليوم مهمتي الرسمية في وزارة الداخلية، لكن الأردن سيظل في القلب والعقل والوجدان، وستظل خدمته شرفاً لا تحدّه وظيفة، ولا توقفه سنوات، ولا تنهيه ورقة إحالة إلى التقاعد، سأبقى، ما حييت، جندياً من جنود هذا الوطن، أخلص له في القول والعمل، وأبذل في سبيله ما استطعت، وأفرح لكل إنجاز يتحقق على أرضه، وأدعو الله أن يحفظه من كل سوء، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار والكرامة.
وفي الختام، لا أقول وداعاً بقدر ما أقول إلى لقاء تجمعنا فيه المحبة، وتظلّلنا فيه راية الوطن، وتبقى فيه ذكريات العمل شاهدة على سنوات تشاركنا فيها الواجب والأمل.
اللهم اجعل ما قدمناه في ميزان حسناتنا، واغفر لنا ما كان من تقصير، وبارك في أعمارنا وأعمالنا، واكتب لنا في القادم من أيامنا خيراً ورضاً وطمأنينة، واجعلنا ممن إذا انتهت مهمتهم بقي أثرهم الطيب، وإذا غادروا مواقعهم بقي وفاؤهم حاضراً.
حفظ الله الأردن وطناً حراً عزيزاً كريماً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ جلالة الملك، وسمو ولي عهده الأمين، وأدام على وطننا راية المجد والكرامة.
























