د. عبدالله محمد القضاة يكتب: الأردن وشبح الحرب على إيران: الجاهزية خط الدفاع الأول
نبأ الأردن -
لا تبدو التقارير المتداولة عن احتمال استئناف الضربات الأميركية ضد إيران مجرد خبر عسكري عابر. فهي تكشف مرحلة إقليمية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الاستحقاقات الانتخابية في واشنطن وتل أبيب، وتتزايد معها المخاطر على أمن الطاقة والممرات التجارية واستقرار دول المنطقة. وفيما يبقى قرار الضربة وتوقيته غير محسومين، فإن الدلالة الأهم واضحة: قد نكون أمام مواجهة لا تقف عند حدود الميدان، بل تمتد إلى اقتصاد دول الجوار وأمنها واستقرارها السياسي والاجتماعي، والأردن في مقدمتها.
مشهد إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات
بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه مع الأمن الإقليمي، يتأثر الأردن بأي تصعيد حتى لو لم يكن طرفاً فيه. فمع احتمال إطلاق الصواريخ والمسيّرات واتساع الاعتراضات الجوية، تبرز الحاجة إلى يقظة دفاعية دائمة، وتعزيز الرصد والإنذار المبكر، وصون السيادة بما يمنع تحويل أرض المملكة أو أجوائها إلى ساحة لتصفية الحسابات.
أما البعد الاقتصادي فلا يقل خطورة. فأي اضطراب في إمدادات الطاقة أو الملاحة عبر مضيق هرمز سيرفع أسعار النفط وكلف النقل والتأمين، لينعكس على الإنتاج والأسعار والموازنة العامة. ولذلك فإن تنويع مصادر الإمداد ومراجعة مخزونات الطاقة والغذاء والدواء ليس إجراءً احترازياً مؤقتاً، بل جزء أصيل من الأمن الوطني.
ويضاف إلى ذلك معركة الوعي؛ ففي أوقات الأزمات تنتشر الشائعات وتتراجع الثقة. وهنا يصبح الاتصال الحكومي الصريح والسريع، وتقديم المعلومة الدقيقة في وقتها، ركيزة لتماسك الجبهة الداخلية التي تشكّل خط الدفاع الأول.
من ردّ الفعل إلى الاستباق
المطلوب اليوم الانتقال من متابعة الأحداث يوماً بيوم إلى إدارة وطنية استباقية للمخاطر، تستند إلى سيناريوهات محددة ومؤشرات إنذار ومسؤوليات واضحة. وتتلخص ملامحها في خمس أولويات:
1. تحديث التقدير الوطني للمخاطر عبر سيناريوهات تشمل التصعيد المحدود والمواجهة الممتدة واتساع رقعة الاشتباك، مع إجراءات لكل منها.
2. تعزيز التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، واختبار خطط الطوارئ لضمان استمرار خدمات الطاقة والمياه والصحة والاتصالات والنقل.
3. تحصين الاقتصاد من الصدمات الخارجية ببدائل إمداد وتدابير مدروسة تحمي المواطنين والقطاعات الأكثر تأثراً.
4. تطوير الاتصال الحكومي بما يضمن الرد السريع على الشائعات ووضوح الرسائل الرسمية، بعيداً عن التهويل أو التهوين.
5. تنشيط الدبلوماسية الأردنية مع الأشقاء العرب والشركاء الدوليين لخفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية، مع التمسك بحق المملكة في حماية أمنها ومصالحها.
الجاهزية قوة.. وتجنّب الحرب مسؤولية
التحدي ليس في التنبؤ بموعد الحرب، بل في الاستعداد لاحتمالاتها دون التسليم بحتميتها. فالدبلوماسية الفاعلة لا تتعارض مع الجاهزية الدفاعية، وحماية الحدود لا تنفصل عن حماية الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي واستمرارية الخدمات.
الأمن الوطني الأردني ليس خط دفاع على الحدود فحسب، بل منظومة متكاملة تجمع السيادة والاقتصاد وتماسك المجتمع وكفاءة المؤسسات. وكلما ارتفعت احتمالات التصعيد، ازدادت الحاجة إلى دولة تستعد بعقل استراتيجي، وتتحرك بحكمة سياسية، وتحمي مصالحها بثبات. فالمطلوب ألا ننتظر الأزمة، بل أن نستعد لها قبل أن تفرض شروطها.

























