اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عمر الدريني يكتب: حين يكون جزء من الحكاية مفقودًا: من يحمي الحقيقة في المدرسة؟

عمر الدريني يكتب: حين يكون جزء من الحكاية مفقودًا: من يحمي الحقيقة في المدرسة؟
نبأ الأردن -
أحيانًا لا تحتاج الحقيقة إلى من يكذب عليها؛ يكفي أن يصل منها نصفها.

قد يعود الطالب إلى منزله غاضبًا، فيروي لوالديه ما حدث في الدقائق الأخيرة، فتتحول الرواية سريعًا إلى قضية، ثم تنتقل من هاتف إلى آخر ومن مجموعة إلى أخرى، حتى تصبح اللحظة الأخيرة هي الحكاية كلها، قد يكون ما قاله الطالب صحيحًا، لكن السؤال الذي لا نطرحه أحيانًا هو: ماذا حدث قبل تلك اللحظة؟

هل بدأت المشكلة بكلمة؟ بمخالفة تعليمات؟ بمشادة بين طالبين؟ برفض توجيه؟ باستفزاز متبادل؟ أم أن هناك اعتداءً وقع فعلًا دون مقدمات؟ لا أحد يستطيع أن يعرف ما لم يسمع القصة كاملة.

وهنا تكمن حساسية الخلافات المدرسية. فالطالب قد يخطئ، والمعلم قد يخطئ، والإدارة قد تخطئ، لكن الخطأ الأكبر أن نصدر حكمًا قبل أن نعرف الوقائع، وهذه ليست دعوة إلى الوقوف مع المعلم ضد الطالب، ولا مع الطالب ضد المعلم؛ إنها دعوة إلى الوقوف مع الحقيقة، لأن الحقيقة وحدها قادرة على حماية الجميع.

للطالب حق أصيل في أن تُسمع شكواه، وأن تصان كرامته، وأن يكون بعيدًا عن الضرب والإهانة والتنمر، وللمعلم الحق نفسه في أن يعمل في بيئة آمنة، وألا يتحول اتهام غير مكتمل إلى إدانة مسبقة، أما المدرسة فعليها أن تكون المكان الذي تُسمع فيه الروايات جميعًا قبل أن تبدأ الأحكام.

وهنا تعود الأسرة إلى مكانها الطبيعي في المشهد، عندما يعود الابن بقصة خلاف، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: «ماذا فعل بك المعلم؟» فقط، بل: «ماذا حدث منذ البداية؟ ماذا قلت؟ ماذا فعلت؟ هل خالفت التعليمات؟ هل كان هناك خلاف سابق؟ هل شاهد زملاؤك ما جرى؟ وهل نقلت لنا القصة كاملة؟»

ليس الهدف التشكيك بالابن، وإنما تعليمه أن الصدق لا يعني رواية الجزء الذي يحمينا وإخفاء الجزء الذي يديننا، فالإنسان لا يتعلم المسؤولية عندما يُقال له دائمًا إنه على حق، وإنما عندما يتعلم أن يعترف بنصيبه من الخطأ.

وفي المقابل، لا يجوز أن تستغل المدرسة مسؤولية الطالب للتخفف من مسؤولياتها، فالمعلم مطالب باستخدام الأساليب التربوية في ضبط السلوك، والابتعاد عن العقاب البدني، ورفض التنمر والسخرية والإهانة مهما كان سلوك الطالب صعبًا.

كما أن احترام المعلم لا يعني إعفاءه من المساءلة، وحق الطالب في الشكوى لا يعني أن الشكوى وحدها دليل إدانة.

وفي مثل هذه المواقف تصبح الإدارة مطالبة بجمع المعلومات بهدوء، والاستماع إلى الشهود، ومراجعة ما يتوافر من أدلة، والتعامل مع الواقعة بعيدًا عن ضغط الغضب أو سرعة وسائل التواصل الاجتماعي.

والأخطر أن تتحول الحادثة المدرسية إلى محاكمة إلكترونية قبل أن تبدأ عملية التحقق. فعبارة واحدة قد تنتشر خلال دقائق، وقد تلتصق بسمعة طالب أو معلم أو مدرسة سنوات طويلة، بينما تكون الحقيقة أكثر تعقيدًا من منشور قصير.

ولهذا فإن حماية العدالة المدرسية تعني أيضًا حماية الجميع من الأحكام السريعة والتشهير والاتهام غير الموثق، وليس من الحكمة أن يتحول الغضب الطبيعي تجاه أي اعتداء محتمل إلى رغبة في إدانة شخص قبل اكتمال المعلومات؛ فالعدالة لا تحتاج إلى سرعة الغضب، بل إلى هدوء التحقق.

كما أن الاستماع إلى الطالب لا يعني تجاهل ما يقوله المعلم، والاستماع إلى المعلم لا يعني إغلاق باب الطالب، قد تكون هناك روايتان مختلفتان، وقد يكون في كل رواية جزء من الحقيقة.

وهنا تظهر قيمة الإدارة التربوية القادرة على الفصل بين المشاعر والوقائع، وبين الخطأ السلوكي والاعتداء، وبين الشكوى الصحيحة والاتهام غير الدقيق.

فكلما كانت آلية التعامل مع الخلاف واضحة، قل احتمال أن تتحول الحادثة الصغيرة إلى أزمة أكبر.

نحن بحاجة إلى ثقافة لا تسأل أولًا: «من المخطئ؟» وإنما تسأل: «ماذا حدث؟»

ثم تأتي المساءلة بعد أن تتضح الصورة.

نحتاج إلى أن نسمع الطالب دون أن نقدسه، وأن نحترم المعلم دون أن نعصمه من الخطأ، وأن نثق بالمدرسة دون أن نمنحها حق تجاوز التعليمات.

فقد يكون في الحكاية جزء مفقود، وقد يكون هذا الجزء الصغير هو الذي يغير فهمنا للمشهد كله.

ولهذا، قبل أن نحكم على طالب أو معلم أو مدرسة، علينا أن نبحث عن الحقيقة كاملة؛ لأن نصف الحكاية قد يصنع حكمًا كاملًا، لكنه لا يصنع عدالة كاملة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions