سعر الديزل قد يشعل احتجاجات عالمية…
نبأ الأردن -
كتب عامر الشوبكي — الباحث الاقتصادي والمتخصص في شؤون النفط والطاقة
قد ينخفض سعر النفط على شاشات التداول، بينما يزداد ثمن الخبز وكلفة المواصلات وفاتورة الكهرباء. هذا ما أخشى أن يستهين به العالم وهو يراقب سعر البرميل وينتظر انفراجًا قد يتأخر وصوله إلى الناس. فقد سجلت أسعار الديزل بالجملة مستويات قياسية في أسواق رئيسية، وبلغ متوسط سعره في المحطات الأميركية اليوم 6.53 دولارات للجالون، بزيادة نحو 77% خلال عام، وفق جمعية السيارات الأميركية AAA. وللمقارنة، عندما بلغت عقود برنت ذروتها التاريخية خلال التداولات عند 147.50 دولارًا للبرميل في يوليو 2008، سجل متوسط الديزل الأميركي 4.764 دولارات للجالون؛ أما في 2012 فبلغ المتوسط السنوي لبرنت 111.63 دولارًا للبرميل، وللديزل الأميركي 3.968 دولارات للجالون. أي أن الديزل اليوم أعلى اسميًا بنحو 37% من ذروته في يوليو 2008، رغم تراجع برنت إلى ما دون مئة دولار خلال تداولات اليوم. وهذه مقارنة بالأسعار غير المعدلة بالتضخم، لكنها تكشف حقيقة مهمة: سعر النفط وحده لم يعد يشرح فاتورة الوقود التي يدفعها العالم.
جذور الأزمة أعمق من ارتفاع الخام؛ فالعالم يحتاج إلى مصفاة تعمل، وناقلة تصل، وشحنة يمكن الاعتماد على موعدها. وقد انخفضت كميات النفط المعالجة في المصافي عالميًا خلال أغسطس بنحو 4.2 ملايين برميل يوميًا مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وفق تقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر في سبتمبر، فيما رُصد تجاوز الفارق بين سعر الديزل والخام في أوروبا مطلع سبتمبر 100 دولار للبرميل. هذا الفارق لا يمثل ربحًا صافيًا للمصافي، ويعكس شدة الاختناق بين الخام والوقود الجاهز للاستهلاك. وكانت مصافي الخليج وصادرات المنطقة تسند الأسواق، لكن بيانات كبلر تشير إلى تراجع صادرات الشرق الأوسط من الديزل إلى متوسط يقارب 800 ألف برميل يوميًا خلال الفترة من مارس إلى أغسطس، أي نحو نصف مستواها في الفترة نفسها من العام السابق. لذلك فإن تعطل التكرير أو التحميل في السعودية ودول الخليج يتجاوز حدود المنطقة، ويتزامن مع ضربات المصافي الروسية وقيود صادراتها. كما أن إيران كانت مصدرًا للمشتقات، ومنها الديزل، وإن لم تتوافر بيانات كافية لعزل حصتها من العجز الحالي. وتضاعف صعوبة الشحن هذا الضغط؛ فالناقلة التي تنتظر أو تسلك طريقًا أطول تنقل شحنات أقل، حتى لو بقيت سليمة ومؤمّنة.
تكمن خطورة الديزل في أن المواطن يدفع ثمنه مرات عدة، ولو لم يشترِ لترًا واحدًا: عندما يروي المزارع أرضه ويحصد محصوله، وعندما تنقل الشاحنة هذا المحصول إلى المصنع ثم إلى السوق، وعندما يعمل مولد الكهرباء لتستمر خدمة أو منشأة. وحين تنقص إمدادات الغاز أو تنقطع الكهرباء، تتحول بعض الأنشطة إلى الوقود السائل حيث تسمح تجهيزاتها بذلك، فتتزاحم احتياجات التوليد مع النقل والزراعة على إمدادات شحيحة أصلًا. ويشمل ذلك المستشفيات وبعض الاستخدامات الحرارية والكهربائية في منشآت الفوسفات والبوتاس والأسمدة. وأعتبر أن الديزل أصبح مؤشرًا مهمًا للضغوط التضخمية العالمية، وإن اختلف أثره بحسب هيكل كل اقتصاد ودعمه وضرائبه. ويمكن توضيح ذلك بمثال افتراضي بسيط: إذا شكّل الوقود 30% من كلفة النقل وارتفع سعره 50%، زادت كلفة النقل 15% مع ثبات بقية العناصر؛ ثم تنتقل نسبة من هذه الزيادة إلى السلعة، وتضاف إليها تكاليف الإنتاج والطاقة. الديزل لا يرفع أسعار جميع السلع بالنسبة نفسها، لكنه يلاحق السلعة في أكثر من مرحلة قبل أن تصل إلى المستهلك.
ومن هنا تتحول أزمة الوقود إلى اختبار لقدرة الدول على حماية الاستقرار الاجتماعي. فالدول التي تملك احتياطيات مالية وصناديق سيادية تستطيع امتصاص جانب من الصدمة، وإن اضطرت إلى إعادة ترتيب الإنفاق، لكن امتلاك المال لا يضمن وصول الشحنات في موعدها. ففي مصر، تتسع الضغوط على الموازنة كلما اتسعت الفجوة بين كلفة توفير الوقود والكهرباء وأسعار بيعهما للمستهلكين؛ وفي المقابل، فإن تمرير الزيادة إلى السولار يمس الزراعة والنقل وأسعار الغذاء. أما لبنان، فاعتماد الأسر والمنشآت على المولدات يجعل ارتفاع المازوت ينتقل سريعًا إلى فاتورة الحياة، في ظل محدودية قدرة الدولة على الدعم. وأرى أن خطورة اللحظة تظهر عندما تتراجع قدرة الحكومات على المساندة في الوقت الذي تكون فيه قدرة المواطن على الاحتمال قد استُنزفت. عندها قد تتحول زيادة جديدة في الوقود إلى احتجاجات أوسع، خصوصًا إذا شعر الناس بغياب العدالة والشفافية.
لذلك أحذر من بناء السياسات على انتظار انخفاض النفط وحده؛ فقد يهبط الخام قبل أن تُصلح المصافي، وتنتظم الملاحة، وتُملأ مخزونات الديزل مجددًا. وأرجّح بقاء أسعار الديزل مرتفعة حتى نهاية 2027 إذا استمرت اختناقات التكرير والشحن وتأخر تعافي المخزونات. وأدعو الحكومات إلى تأمين احتياطيات من المشتقات الجاهزة إلى جانب الخام، وتنويع الموردين والمسارات، وضمان إمدادات الوقود لتحلية المياه ونقلها وللمستشفيات والزراعة والنقل العام، وتقديم مساندة مؤقتة وموجهة بدل دعم مفتوح يستنزف الخزينة أو زيادات مفاجئة تُرحّل الأزمة إلى الناس. وعلى المؤسسات رفع كفاءة الاستهلاك ومراجعة عقود التوريد وخطط الطوارئ، وعلى الحكومات نشر الكلفة قبل الضريبة ومراقبة انتقالها إلى الأسعار. ويبقى تقديري أن الخطر المقبل قد يجمع بين غلاء الطاقة وصعوبة الحصول عليها؛ وإذا تأخر الاستعداد، فقد نجد النفط أقل سعرًا، والناس أشد فقرًا وأقرب إلى الغضب. والدول التي تضيق قدرتها على تخفيض الضرائب أو دعم الأسعار، ثم تمرّر كامل الزيادات إلى المواطنين دون حماية اجتماعية كافية، قد تواجه مخاطر متزايدة لاحتجاجات شعبية واضطرابات اجتماعية؛ فالقدرة على تحمّل الغلاء لها حدود، وتجاهلها قد يجعل كلفة احتواء الأزمة أكبر من كلفة الوقاية منها.























