قراءة في محاضرة حسين المجالي وعزام الرواحنة.. الوعي خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل
نبأ الأردن -
كتب محمد الخطيب -
استمعت امس إلى محاضرة معالي الباشا حسين هزاع المجالي، ومداخلة عطوفة الباشا اللواء الركن المتقاعد عزام إرشيد الرواحنة، في الندوة الحوارية التي نظمها معهد عمّان للتحديث والدراسات السياسية بعنوان: «استراتيجية الوعي في مواجهة استراتيجية التضليل الموجّه ضد الأردن عبر وسائل التواصل الاجتماعي».
وأدار الندوة الوزير الأسبق الدكتور أمين مشاقبة، بحضور مدير عام دائرة المكتبة الوطنية الدكتور فراس الضرابعة، وعدد من الشخصيات الرسمية والضباط المتقاعدين والمهتمين ووسائل الإعلام.
ما لفتني في حديث الباشا المجالي أنه لم يتعامل مع الإشاعة باعتبارها خبراً كاذباً نبحث عمن ينفيه، بل باعتبارها جزءاً من معركة أوسع عنوانها الوعي والثقة. فالتضليل اليوم لم يعد مجرد اختلاق خبر؛ فقد يكون صورة صحيحة في المكان الخطأ، أو فيديو حقيقياً في زمن مختلف، أو تصريحاً مجتزأً، أو حساباً وهمياً، أو صوتاً وصورة صنعتها تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ومن أهم ما توقفت عنده أن الباشا وضع فاصلاً ضرورياً بين النقد والتضليل؛ فالنقد المشروع ليس تهديداً للدولة، بل قد يكون أداة لتصحيح الخلل، بينما يبدأ الخطر عندما يجري اختلاق الوقائع أو تحريفها أو تقديم جزء منها باعتباره الحقيقة كاملة. واختصر ذلك بقاعدة واضحة: «النقد يناقش واقعة، أما التضليل فيغيّر الواقعة نفسها».
وفي تقديري، فإن أخطر ما طرحه المجالي هو أن الهدف النهائي لحملات التضليل ليس بالضرورة أن يصدق المواطن إشاعة بعينها، بل أن تتآكل ثقته تدريجياً بمؤسسات دولته وقواته المسلحة وأجهزته الأمنية وجبهته الداخلية، وصولاً إلى التأثير في الوحدة الوطنية والسلم المجتمعي والاقتصاد وصورة الأردن.
وهنا تصبح سرعة المعلومة الرسمية جزءاً من الأمن الوطني؛ لأن الفراغ المعلوماتي، خصوصاً في أوقات الأزمات والحروب، لا يبقى فارغاً. وكل دقيقة تتأخر فيها المعلومة الموثوقة تفتح مساحة للإشاعة والتأويل والخوف.
لكن الرسالة الأهم بالنسبة لي أن مواجهة التضليل لا تكون بالأمن والقانون وحدهما، ولا بملاحقة كل منشور وحساب، وإنما ببناء مناعة مجتمعية تبدأ من المواطن، وتمر بالأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤثرين، وتصل إلى مؤسسات الدولة. فالوعي هنا ليس شعاراً، بل قدرة على السؤال والتحقق والتمييز بين الخبر والرأي، وبين النقد المشروع والرواية المصنوعة.
أما الباشا عزام الرواحنة، فقد قدّم مداخلة عميقة استندت إلى خبرة عسكرية ووطنية طويلة، وأعادت النقاش إلى جذور بناء الوعي الأردني، لا إلى أدوات التضليل الحديثة وحدها. وأشار إلى أن التضليل الإعلامي والأخبار الزائفة ليست ظاهرة حديثة، وإنما الذي تغير هو الأدوات والوسائل والتقنيات، فيما بقي الهدف واحداً: التأثير في الوعي وتشكيل المواقف.
وكان لافتاً في حديثه استحضاره لتجربة الدولة الأردنية في بناء الإنسان والجبهة الداخلية، ودور الشعر والغناء والمسلسلات والمدرسة في مراحل سابقة في ترسيخ الوعي والانتماء والهوية الوطنية. وهي قراءة مهمة؛ لأنها تذكرنا بأن مواجهة التضليل لا تبدأ عند ظهور الإشاعة، وإنما قبل ذلك بكثير، من خلال بناء الإنسان القادر على تمييز الحقيقة من الزيف.
كما توقف الرواحنة عند الدور التاريخي للأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة في تشكيل وعي المواطن والهوية الوطنية الأردنية منذ تأسيس الدولة، وطرح أسئلة أراها في غاية الأهمية: من يصنع التضليل؟ ولماذا؟ ومن المستفيد منه؟ وكيف يمكن أن يوظف للنيل من سيادة الدولة أو الانتقاص من منجزاتها؟
وأعتقد أن قيمة حديث الباشا الرواحنة كانت في إعادة التذكير بأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة المعلومة المضللة، بل بقدرتها على بناء وعي وطني متماسك يجعل المجتمع نفسه أكثر قدرة على رفضها.
ولعل العبارة التي تصلح أن تكون خلاصة النقاش كله:
«لا يمكن أن نواجه كل إشاعة بإشاعة مضادة، ولا كل حساب بحساب؛ المعركة الحقيقية هي بناء مواطن يصعب تضليله».
وهذه، برأيي، هي المعادلة التي نحتاجها اليوم في الأردن:
دولة سريعة في المعلومة، وإعلام مهني ومسؤول، ومواطن يمتلك الوعي قبل أن يمتلك زر المشاركة.
محاضرة ومداخلات ثرية من قامتين أمنيتين وعسكريتين تمتلكان خبرة طويلة في خدمة الدولة، والأهم أنهما تحدثتا عن الوعي ليس بوصفه مفهوماً نظرياً، وإنما باعتباره أحد خطوط الدفاع الأساسية عن الأردن ومجتمعه ومؤسساته.























