يحيى الحموري يكتب: هل اغتالت الدولة خيولها،، أم ان الخيول رفضت الترجل ؟
نبأ الأردن -
قرأت مقال عبدالهادي راجي المجالي عن "الدولة التي تغتال الخيول”، فوجدتني أمام سؤال مختلف تماما: هل تغتال الدولة خيولها حقا، أم ان بعض الخيول ترفض مغادرة الميدان حتى بعد ان ينتهي السباق؟
مع كامل الاحترام لبعض الأسماء التي وردت، لا اختلف مع المقال في تقدير من خدم الوطن وأبدع فيه، لكنني اختلف معه جذريا في تحويل الخدمة السابقة الى صك ابدي للبقاء في المشهد، وكأن المنصب ميراث، والكرسي حق شخصي، والتقاعد جريمة وطنية.
من خدم الدولة نحترمه، ومن ابدع نصفق له، ومن اخطأ نقول له اخطأت. لكن لا احد فوق سنة الحياة، ولا احد يملك الدولة بتذكرة قديمة الى الماضي.
ما هذه الفكرة التي تجعل خروج المسؤول من منصبه اغتيالا للفرس؟ وهل الدولة التي تغير مديرها تكون قد اغتالت تاريخها؟ وهل الوزير اذا غادر وزارته يصبح معارضا؟ وهل المسؤول الذي انتهت مهمته يحتاج الى منصب جديد حتى يثبت انه ما زال وطنيا؟
الوطن اكبر من الاشخاص، والدولة ابقى من الكراسي، والمؤسسات لا تبنى على الاسماء بل على تداول المسؤولية وتجدد الدماء.
نحن لا نريد دولة تطرد خبراءها، كما لا نريد دولة تؤبدهم.
نريد دولة تقول للمسؤول: شكرا لما قدمت، ومكانك محفوظ في ذاكرة الوطن، لكن الدور اليوم لغيرك.
فالمنصب ليس مكافأة نهاية خدمة، ولا معاشا سياسيا، ولا بابا خلفيا لاستمرار النفوذ.
والمصيبة الاكبر حين يتحول بعض الخارجين من السلطة الى حراس دائمين على ابوابها، اذا دخلوا صفقوا، واذا خرجوا غضبوا، واذا لم يعودوا اليها اتهموا الدولة بأنها ضاعت!
بعضهم لا يشتاق الى الوطن بقدر ما يشتاق الى المكتب، ولا يؤلمه غياب القرار بقدر ما يؤلمه غياب الهاتف الذي كان لا يتوقف عن الرنين.
وهنا يجب ان نقولها بلا مواربة: هناك من عاش للمنصب، فلما فقد المنصب ظن ان الوطن فقد عقله.
ليس كل من رفع صوته بعد مغادرة الكرسي صوتا وطنيا، وليس كل من كتب عن تهميش الكفاءات مظلوما، وليس كل من وقف خارج الباب صار حارسا على القصر.
الوطن لا يحتاج الى رجال يعتقدون انهم الوطن.
نعم، نستمع الى خالد الكركي، ونقدر علمه وتجربته، ونحفظ لكل من خدم الدولة قدره، لكن الاستماع الى صاحب الخبرة شيء، واعادة تدوير المواقع شيء آخر.
نريد جيلا جديدا لا جيلا بديلا عن جيل.
نريد شبابا لا ينتظرون موت الكبار كي يولدوا.
نريد ان تكون الوظيفة العامة طريقا يمر فيه الرجال، لا قبرا يدفن فيه التغيير.
والسؤال الذي يجب ان يطرح بقوة: لمصلحة من تبقى المناصب مغلقة امام كفاءات شابة فقط لان شاغليها السابقين يرون ان التقاعد نهاية الدور الوطني؟
التقاعد ليس نفيا، والتغيير ليس خيانة، والشباب ليس مؤامرة على الشيوخ.
بل ان الدولة التي لا تغير دماءها تتكلس، والتي لا تفتح ابوابها للكفاءات الجديدة تتحول مؤسساتها الى متاحف للامجاد القديمة.
نعم، هناك خيول عظيمة.
لكن حتى الخيل العظيم يعرف متى ينتهي السباق.
والاخطر من اغتيال الخيول ان نترك الميدان بلا نهاية، ثم نقنع انفسنا ان كل من يرفض النزول عن صهوة الكرسي فارس لا يعوض.
الدولة لا تغتال خيولها حين تغيرهم.
الدولة تغتال مستقبلها حين تمنع خيولا جديدة من دخول الميدان.
هذه ليست حربا على الرجال، بل دفاع عن حق الاجيال.
فمن خدم الوطن فله التقدير، ومن انتهى دوره فله الاحترام، ومن جاء بعده فله الفرصة.
أما ان يتحول المنصب الى ادمان، والخروج منه الى مرض، والتقاعد الى مؤامرة، والنقد الى انتقام، فهذه ليست بطولة سياسية…..
هذه عبودية ناعمة للكرسي، مهما تزينت بثياب الوطنية.
والوطن الذي نحبه لا يحتاج حراسا على ماضيه بقدر ما يحتاج صانعين لمستقبله.

























