اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

غور الصافي بين حق الأرض ومتطلبات الاستثمار وسؤال الأمن الغذائي

غور الصافي بين حق الأرض ومتطلبات الاستثمار وسؤال الأمن الغذائي
نبأ الأردن -
تحقيق ميداني يرصد مخاوف الأهالي من الاستملاك وتوسعة المشاريع، ويبحث عن البدائل الممكنة
غور الصافي – الأغوار الجنوبية  تحقيق ميداني

لم تكن الزيارة إلى غور الصافي مجرد جولة عابرة، بل محاولة ميدانية للانتقال من الجدل العام إلى الأرض نفسها؛ من البيانات والتصريحات إلى الحقول والمزارعين، والاستماع مباشرة إلى أصحاب العلاقة.
وجاءت الزيارة بمبادرة من أعضاء في مجموعة التيار الديمقراطي، ضمت مشاركين من اتجاهات وخلفيات مهنية مختلفة، من بينها   اتحاد النقابات العمالية المستقلة الأردني، ومحامين، ومهندسين وأعضاء من نقابة المهندسين، إلى جانب ناشطين ومهتمين بالشأن العام، بهدف الوقوف على تداعيات عمليات الاستملاك ومشروعات التوسع الصناعي والسكك الحديدية على السكان والأراضي الزراعية.
وفي قلب المشهد كانت نبيلة الحشوش، المزارعة وابنة المنطقة، التي تحولت قضيتها خلال الفترة الماضية إلى صوت احتجاجي لافت في الدفاع عن ملكية الأرض وحق الأهالي في البقاء والعمل والزراعة في أرضهم.

* من خلف الشاشات إلى الأرض
اللافت في الجولة أن كثيراً من الأسئلة التي تبدو في العاصمة تقنية أو إدارية، تصبح أكثر تعقيداً عندما تُطرح في موقعها الحقيقي.
هنا، الأرض ليست مجرد قطعة عقارية يمكن نقلها من خانة إلى أخرى في مخطط تنظيمي؛ إنها مصدر رزق، وموروث عائلي، ومزرعة تنتج الغذاء، ومكوّن أساسي في قدرة السكان على البقاء في مناطقهم.
وخلال الجولة، كان واضحاً أن الأهالي لا يرفضون بالضرورة الاستثمار أو توسعة الصناعات أو تطوير البنية التحتية، وإنما يطرحون سؤالاً أكثر جوهرية:
هل يمكن تحقيق التنمية والاستثمار دون التضحية بالأرض الزراعية وتهجير أصحابها اقتصادياً أو اجتماعياً؟
هذا السؤال بدا حاضراً بقوة في أحاديث المزارعين والناشطين الذين التقيناهم.

* "المنفعة العامة".. لمن؟
من أبرز القضايا التي برزت خلال اللقاءات الميدانية مفهوم المنفعة العامة، الذي يرى الأهالي أنه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مبرراً كافياً للاستحواذ على الأراضي، بل يجب أن تكون المنفعة العامة شاملة وعادلة، وتضع مصالح أصحاب الأرض والمجتمع المحلي والأمن الغذائي ضمن معادلة القرار.
فالتنمية، وفق هذا المنظور، لا ينبغي أن تعني إخراج السكان من أراضيهم، بل تطوير المناطق الريفية والزراعية، وتحسين البنية التحتية والخدمات والطاقة والمياه والنقل، بما يسمح للسكان بالبقاء والإنتاج.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إجابات واضحة حول كيفية تعريف المنفعة العامة، وكيفية قياس أثرها، ومن يحددها، وما البدائل التي جرى بحثها قبل الوصول إلى خيار الاستملاك.

* لماذا لا تُبحث البدائل؟
من أكثر الأسئلة تكراراً خلال الجولة ذلك المتعلق بمسار السكك الحديدية.
الأهالي وبعض المشاركين في الجولة يتساءلون: هل المسار المقترح هو الخيار الوحيد الممكن؟
ولماذا لا تتم دراسة بدائل هندسية أخرى، بما فيها الاستفادة من مسارات الطرق القائمة، أو استخدام الجسور والمنشآت الهندسية في بعض المواقع، أو إعادة تصميم المسار بما يقلل من اقتطاع الأراضي الزراعية؟
كما برز سؤال آخر يحتاج إلى إجابة فنية واضحة: لماذا يتراوح عرض الحرم المقترح للسكك الحديدية – وفق ما يتداوله الأهالي – بين مساحات كبيرة تصل إلى عشرات الأمتار؟ وهل جرى تحديد هذه المساحات بناءً على دراسة هندسية منشورة ومعلنة يمكن للمجتمع المحلي الاطلاع عليها؟
هذه ليست أسئلة للاعتراض فقط، بل أسئلة يفترض أن تسبق اتخاذ القرار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنطقة ذات أهمية زراعية واقتصادية وأمنية غذائياً.

* الأرض التي قيل إنها لا تصلح للزراعة
في أحد أكثر مشاهد الجولة دلالة، كانت الجرافات تعمل في أرض قيل للأهالي إنها غير صالحة للزراعة.
لكن المشهد الميداني قدم صورة مختلفة؛ أشجار ومحاصيل ومنتجات زراعية، وتمر تم قطافه من الأرض نفسها.
وهنا تظهر أهمية التقييم الميداني المستقل قبل إصدار الأحكام.
فإذا كانت الأرض مصنفة بأنها غير صالحة للزراعة، فمن حق المجتمع أن يعرف: على أي أساس؟ ومن أجرى التقييم؟ ومتى؟ وهل شمل التقييم الأثر الزراعي والبيئي والغذائي على المدى الطويل؟
إنها أسئلة يمكن حسمها بالبيانات والدراسات، لا بالانطباعات.

* المياه.. ملف آخر تحت الأرض
خلال الاستماع إلى الأهالي، ظهر ملف المياه باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية.
فالمزارعون يتحدثون عن عمليات حفر آبار واستخدام المياه من قبل جهات استثمارية، وعن شعور بعدم وضوح آليات التعويض أو حماية حقوق أصحاب الأراضي والمزارعين.
وهنا تبرز ضرورة الانتقال من الروايات المتداولة إلى تدقيق قانوني وفني مستقل يحدد ملكية مصادر المياه، وتراخيص الآبار، وكميات السحب، والجهات المستفيدة، وآليات التعويض، ومدى توافق ذلك مع التشريعات النافذة.

* الأمن الغذائي ليس شعاراً
ربما تكون النقطة الأكثر أهمية التي خرجت بها الجولة هي أن قضية غور الصافي لا ينبغي اختزالها في نزاع عقاري أو خلاف حول مسار مشروع.
فالأغوار الجنوبية جزء من المنظومة الزراعية والغذائية الأردنية، وأي خسارة دائمة للرقعة الزراعية يجب أن تُقاس ليس فقط بقيمة الأرض اليوم، وإنما بما تعنيه من إنتاج غذائي وفرص عمل واستقرار سكاني وقدرة مستقبلية على مواجهة أزمات الغذاء والمياه والطاقة.

* ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال أكبر من غور الصافي:
هل تمتلك الأردن حتى الآن منظومة وطنية واضحة لحساب الكلفة الحقيقية لفقدان الأراضي الزراعية لصالح المشاريع الاستثمارية والبنية التحتية؟

* نبيلة الحشوش.. القضية أكبر من شخصية
 في قلب هذه القصة تقف نبيلة الحشوش، لكن القضية في حقيقتها تتجاوز شخصها.
ما جعل صوتها يصل إلى قطاعات واسعة من المجتمع أنها لم تتحدث من موقع سياسي أو حزبي، وإنما من موقع امرأة تعيش القضية يومياً؛ تعرف الأرض، وتعرف كلفة الزراعة، وتعرف ماذا يعني أن يفقد الإنسان مصدر رزقه.
ولهذا فإن حضورها يمكن قراءته أيضاً باعتباره نموذجاً على الطريقة التي تتشكل بها الحركات والتيارات الاجتماعية الجديدة: تبدأ من قضية ملموسة، ومن شخص يرفض الصمت، ثم تتحول القضية إلى مساحة أوسع للنقاش العام.
الحركات الاجتماعية لا تحتاج دائماً إلى هياكل ضخمة حتى تبدأ؛ أحياناً تبدأ من مزارعة تقف في أرضها وتقول: هذه الأرض ليست رقماً في ملف، إنها حياتنا ومستقبل أبنائنا.
وهنا تحديداً تتقاطع قضية غور الصافي مع التحول الأوسع في علاقة المواطنين بصانع القرار؛ فالمجتمع الجديد يريد أن يرى البيانات والدراسات والبدائل ومبررات القرار، لا أن يكتفي بسماع القرار بعد اتخاذه.

* لا أحد يرفض الاستثمار.. لكن التنمية لها بدائل
المعادلة الأكثر عقلانية التي برزت خلال الجولة ليست: المزارع ضد البوتاس أو الأرض ضد السكك الحديدية.

* المعادلة الحقيقية هي:
كيف نحافظ على الاستثمار والصناعة والنقل، وفي الوقت نفسه نحمي الأرض الزراعية وحقوق السكان والأمن الغذائي؟

* وهذه المعادلة ليست مستحيلة.
بل ربما يكون الحل في تشكيل فريق وطني متعدد الاختصاصات يضم مهندسين ومخططي نقل وزراعيين وخبراء بيئة وقانونيين واقتصاديين وممثلين عن الأهالي، لإعادة فحص الخيارات المتاحة ومقارنة المسارات وفق معايير واضحة: الكلفة، الأثر البيئي، الأثر الزراعي، عدد الأراضي المتأثرة، حقوق السكان، الأمن الغذائي، والجدوى الاقتصادية.

* الحاجة إلى مؤتمر وطني
المعلومات والانطباعات التي خرجت بها الجولة تقود إلى مقترح أوسع: عقد مؤتمر وطني حول مستقبل الأراضي الزراعية في الأغوار ومسارات الاستثمار والبنية التحتية فيها.
مؤتمر لا يكون هدفه تعطيل الاستثمار، وإنما الوصول إلى معادلة جديدة تسمح لشركة البوتاس بالتوسع والاستثمار، وتطوير شبكة السكك والطرق، وفي الوقت ذاته حماية الأراضي الزراعية ومنع إفراغ المناطق من سكانها.
كما ينبغي إعادة فتح ملفات الطاقة والمياه والبنية التحتية الزراعية، بما في ذلك تفعيل التوجهات المتعلقة بالطاقة الشمسية للوحدات الزراعية، بما يساعد المزارعين على خفض كلف الإنتاج وتعزيز قدرتهم على الاستمرار.

* السؤال الذي عاد معنا من غور الصافي
بعد ساعات من التجول بين الأراضي والاستماع إلى أصحابها، بقي سؤال واحد مفتوحاً:
إذا كانت هناك بدائل هندسية واقتصادية وبيئية ممكنة، فلماذا لا تُدرس جميعها بشفافية قبل أن تصبح الجرافات هي التي تحسم النقاش؟
لا يمكن أن تكون التنمية معركة صفرية بين الدولة والمواطن، ولا ينبغي أن يتحول الاستثمار إلى خصم للزراعة، كما لا ينبغي أن يتحول الدفاع عن الأرض إلى رفض للتنمية.

المطلوب هو قرار أكثر ذكاءً، وأكثر شفافية، وأقرب إلى الناس؛ قرار يستند إلى البيانات، ودراسات الأثر، والمقارنة بين البدائل، والاستماع الحقيقي لأصحاب المصلحة.

فغور الصافي لا يطرح اليوم قضية أرض واحدة أو مزارع واحد.
إنه يضع أمام الدولة والمجتمع سؤالاً استراتيجياً: كيف نبني اقتصاداً يستثمر في مواردنا، دون أن يستهلك مستقبلنا؟
وهذا السؤال يستحق أن يُناقش على الأرض، قبل أن يصبح من الصعب إعادة الأرض إلى أصحابها، أو إعادة إنتاجها إلى ما كانت عليه.

تحقيق ميداني – الأغوار الجنوبية
برفقة نبيلة الحشوش، وبمشاركة مجموعة من أعضاء التيار الديمقراطي من خلفيات نقابية وقانونية وهندسية ومجتمعية مختلفة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions