قراءة حول نظرية الأمن الفكري للمفكر الدكتور حسن عبدالله الدعجه

الباحثة سلطانة السعودي –
بادئ ذي بدء سأتحدث وبإيجاز عما ورد في المقدمة حول مصطلح الأمن الفكري ،حيث برز واضحاً أهمية الأمن الفكري داخل المجتمعات العربية والعالمية… فقد بين أن الأمن الفكري ضرورة ملحة لكل فرد في المجتمع والدولة وهو يشارك بشكل أساسي في تطور الفكر السديد الوسطي المعتدل البعيد عن الغلو والتطرف في الاتجاهات والممارسات والأفعال.
من خلال المقدمة التي أبدع المفكر الدكتور الدعجه في بنائها وظهرت المفارقات بين الانحراف الفكري والأمن الفكري حيث نتج عن المفهوم الأول منظمات ارهابية استعملت العنف كباعث الانحراف الفكري في لدى اتباع الديان المسيحية واليهودية والاسلامية .
ثم أورد الكاتب مجموعة من الأمثلة الحية التي حدثت بسبب الارهاب والتطرف (الانحراف الفكري). لقد ذكر أهم مثالين ناتجين عن الانحراف الفكري قصتين وردتا في القرآن الكريم هما قصة آدم لما خلقه الله وكيف رفض ابليس السجود له ، ثم القصة الدامية قصة الأخوين قابيل وهابيل . مما يدل أن الانحراف في الفكر نشأ مع بدء الخليقة ، أما في اوروبا (حرب الثلاثين سنة ) بين الكاثوليك والبروتستانت وقصف العاصمة براغ التي انتهت بالمعاهدة الشهيرة ( وستفاليا ) للسلام عام 1648م وعدد الضحايا الذي تجاوز 11 مليون بين عسكري ومدني وقد طال هذا الانحراف في الفكر في بلاد المسلمين أيضاً ومثالاً عليه ما فعله الخوارج في بداية حقبة الإسلام في القرن الهجري الأول من فساد وقتل. ومن الأمثلة الحية في العصر الحديث كما ذكر الكاتب من انحرافات للفكر والارهاب والتطرف أذكر أهمها حادثة 11 سبتمبر 2001 في بداية القرن الحادي والعشرون لما لها من انعكاس بالغ الخطورة على تغيير مسار العلاقات الدولية والسياسية في العالم، مما أدى إلى إثارة أسباب الحروب والقتل والاختلال والفوضى في مناطق عدة في العالم .
ولم يتوقف أصحاب الفكر المنحرف فقد طالت يدهم السوداء مصر والسعودية والأردن وكثير من الدول في تفجيرات كثيرة راح ضحيتها الكثير من الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة .
وقد تطرق الكاتب في حديثه عن التطرف والإرهاب واعتبره مرضا دينيا سياسيا اجتماعيا مركباً يحاول أن ينتزع لنفسه شرعية العمل والتخطيط والتنفيذ ويستخدم في سبيل ذلك وسائل غير اخلاقية وغير مشروعة لتحقيق أهدافه و قال الكاتب أن التطرف و الإرهاب ما هو إلا نتاج فكر منحرف متطرف .
وأهاب بجميع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني وجميع قنوات التنشئة الدينية والاجتماعية لمكافحته وطالب ببناء المفاهيم والقيم الوسطية المعتلة لتحصين وحماية المجتمعات من الفكر المنحرف والإرهاب .
وفي معرض حديثه بين أهمية الأمن الفكري الذي هو مرتبط بعقول الأفراد و نتاج تفكيرهم و انعكاس لسلوكياتهم كما يعكس هويتهم الإسلامية و العربية .و أوضح أن الأمم تقاس بتقدمها الذي ينبثق من خلال الفكر السليم المعتدل و مقدار ما يحافظ الأفراد على أمنهم الفكري ؛ فالأمن الفكري حسبما ذكره الكاتب يعتبر الركن الأساسي في حفظ الأمن و الاستقرار و الرفاه الاجتماعي و الاقتصادي ، وهذا ما لا يتيحه النقيض (الانحراف الفكري / الارهاب ) الذي يؤدي الى تقويض الوحدة الوطنية في ذلك المجتمع .
أما في الإطار النظري وبناء نظرية الامن الفكري :
فقد تحدث عن المجالات الثلاث التي يظهر فيها الانحراف الفكري بجلاء ، وما اتفق عليه الدارسين حول العالم؛ حيث ذكر ان استخدام العنف ضد الأبرياء في الاماكن المكتظة بالناس والخوف من انتشار هذا الفكر و أن يصبح هو القاعدة و غيره من أفكر سليمة هي الاستثناء ، و خطورة امتداده بين طلبة الجامعات و المدارس وفئة الشباب حيث سيصعب حينها مجابهته بالطرق التقليدية .
دراسات حول نظرية الأمن الفكري ، لقد أورد د. الدعجة مجموعة دراسات لمفكرين عرب ومسلمين أمثال
( الجحني/ الهذيلي/ الشهراني/ الزهراني/ المالكي / اللويحق/ السديس/ حربز/ واخيرا الفقي ) تحدثوا من خلال هذه الدراسات عن نظرتهم لمفهوم الأمن الفكري وحاولوا معالجة الأخطار التي تواجهه و وضعوا بعض الحلول و الأفكار حول هذا الصدد ثم قام الكاتب بمناقشة هذه الدراسات و بيان أهم النقاط المشتركة التي أكدت عليها تلك الدراسات و هي :
1) تعزيز الأمن الفكري .
2) التحذير من خطورة غياب الأمن الفكري .
3) حماية الأمن الفكري .
4) تعزيز الحوار المذهبي والحضاري والديني .
5) اعتبار أن الأمن الفكري ركيزة أساسية للأمن الوطني الشامل .
6) القيام بالمزيد من الدراسات حول الموضوع .
وضمن نفس موضوع الدراسات أكد الدكتور حسن أن دراسة الفقي (1430 هــ)هي نموذجا للأمن الفكري الا انها لا ترقى لمستوى النظرية حيث أنها لم تقدم نظرية واضحة ولم تطرح أسئلة للنظرية ولا فرضيات ولم تضع القضايا النظرية ولم تقدم تعميمات لها ولا تنبؤات . ثم مايَـزَ الكاتب بين النظرية والنموذج من خلال سرد توضيحاً دقيقاً للمفهومين كلاً على حِدا ثم ذكر الأبعاد التي تشتملها النظرية من حيث المعرفة والمنهج .
وبين مفاهيم الدراسة : الأمن الفكري هو مفهوم يتكون من مصطلحين مركبين : الأمن / الفكر
حيث عرف الكاتب هذين المصطلحين لغويا واصطلاحيا فالأمن اصطلاحا : يعني الاستقرار والطمأنينة التي يشعر بها الفرد والمجتمع و في ظله تستطيع الأمم البناء والتطوير .
وأما الفكر اصطلاحيا : ف هو جملة النشاط الذهني .
ثم استعرض الكاتب بعضا للمفاهيم المتعلقة بالأمن الفكري عند: ( الجحني / حيدر الحيدر / قاموس علم الاجتماع ) ليتفق مع هذه الدراسات على أن اصطلاح الأمن الفكري بمفاهيمه وسلامته واعتداله ينأى بالفرد والمجتمع عن التطرف والغلو .
ثم قام بعدة قراءة لنظريات المفسرة للانحراف السلوكي والفكري : وطرح الكاتب العديد من النظريات المفسرة للانحراف السلوكي والفكري من خلال مدارس ونظريات أرساها علم الاجتماع فتناولها من خلال ثلاث اتجاهات تفسيرية : المدرسة النفسية ونظريات اعتمدت على تركيبة الأفراد، والاتجاه التكاملي يجمع بين الاتجاهين السابقين .
بدأ الكاتب جولته بين المدرسة السيكولوجية ومؤسسها (فرويد) والعالم (الكسندر) في الحديث عن الانحراف الفكري وعالم الجريمة ومكونات الشخصية الـ (هو والذات وأنا العليا) ودورها في إشباع الغرائز و تشكيل الأمراض النفسية . ثم تطرق الكاتب خلال جولته الى الاتجاه الموضوعي والذي يشمل :
1- النظرية الاقتصادية وعلاقة الانحراف الفكري بالغنى والفقر ، واهم روادها (بونجر)
2- النظريات الاجتماعية حيث ركز على نظرية (الأنومي)وهي النظرية المعيارية وواضعها (أميل دوركايم)حيث ركز في نظريته على كثافة السكان وارتباطها بالانحراف الفكري وعالم الجريمة والانتحار ، ثم صنف (مرتون) أشكال الانحراف بـ :
1- الانحراف الابتكاري 2- الانحراف الانتمائي 3- الانحراف الانسحابي
4- الانحراف الثوري 5- الانحراف الطقوسي
وفي معرِض جولة الكاتب توقف عند نظرية التفكك الاجتماعي ورائدها (ميشيل مان) و مفادها أن الأسرة المفككة هي انعكاس لما عليه المجتمع من صراعات اجتماعية .
ثم استعرض نظرية الضبط الاجتماعي حيث أبدى ان الضبط الاجتماعي يرتبط بالرأي العام مجتمعيا أما في الحكومة فيرتبط بالقانون وأما المجتمعات التقليدية فترتبط بالعادات الشعبية والعرف . وقد برزت نظرية (بارسونز)ضمن هذا السياق ورافقه رواد للنظرية ايضا ( ابن خلدون ) و (مونتسكيو).
ثم تحدث عن نظرية المدرسة السلوكية ومن انصارها (جبرائيل تادر) ونظرية الاختلاط التفاضلي ومن روادها (سذرلاند) ثم نظرية صراع الثقافات للعالم الأمريكي (ثورتين سيلين) ثم تطرق لنظرية “الوصمة الاجتماعية ” ل (جوفمان) ثم استعرض نظرية الثقافة الفرعية حيث إن المجتمع لا تسوده ثقافة واحدة واهم الرواد (تاونسند) وتطرق أيضا للمدرسة الدينية وعلاقة الانحراف وارتكاب الجريمة بضعف الوازع الديني و رواد هذه المدرسة (ابن خلدون) و (براون). وبين أبرز نظريات الاتجاه التكاملي :
نظرية فيري ، نظرية والركلس ، نظرية دي توليو .
لقد بين الكاتب أن النظريات جميعها ركزت على مفهوم الانحراف والجريمة و فنّد جميع النظريات و ذكر أبرز ما جاء فيها إلا أنه أضاف عاملا لم تتطرق له تلك النظريات وهو عامل ( العولمة )كأحد المتغيرات المسببة للانحراف الفكري والسلوك الاجرامي . ومن هنا قام د.حسن الدعجة ببناء نظرية الأمن الفكري لتعالج النقص الحاصل في إطار النظريات المعالجة للانحراف الفكري .

و لأن الأمن الفكري مرتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمعات التي هي بالتالي مكونة للدول فقد استعرض الكاتب بعض النظريات السياسية في الأمن الفكري وعلاقتها في العلوم السياسية ؛ فظهرت نظريات تناولت الأمن الفكري ضمن الأمن العلمي الإقليمي و القومي من خلال :
1- نظرية الدولة العالمية للأمن 3- نظرية المجتمع العالمي للأمن
2- نظرية الأمن الجماعي 4- نظرية صدام الحضارات
5- نظرية الأمن القومي
وظهر أبرز المفكرين في هذا الحقل (فوكو ياما، شيلنغ ، هنتنغتون ، هنري كسنجر)
وبعد أن حلل الكاتب جميع تلك النظريات وقيّمها ذكر أن القاسم المشترك بينها هو (القيم والأفكار والأيدولوجيات في الدول فإن اختلّت هذه القيم اختلّ النظام ككل )
وفي بناء نظرية الأمن الفكري للدكتور حسن الدعجة :
اعتبر الكاتب أن الأمن الفكري حجر الزاوية في الحفاظ على مستقبل الأفراد والجماعات في المجتمع ويحفظ الأمن الوطني من الفكر المتطرف المتشدد.

وبين هيكل النظرية : حسث تناول الكاتب الأحداث الارهابية التي حدثت أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحالي ، وذكر أنه لم يتطرق احد من المفكرين لبناء نظرية متكاملة وذات تأطير حقيقي لنظرية الأمن الفكري ثم استطرد حديثه في توحيد الرؤى السياسية والتطلعات المرجوة لدى النشء والشباب في المجتمع و رسم لونا للفكر منسجما و متناسقا ومعتلا وسطيا . وتحدث عن التنوع الفكري المعتدل ويرى أن وضع نظرية تفسر ظاهرة الامن الفكري وتعالج التطرف هي ضرورة ملحة ، وهي ليست نهاية المطاف بل تفتح الباب على مصراعيه لبذل المزيد من الجهد في هذا الحقل.
صورة توضح هيكل نظرية الأمن الفكري

فيما بينت أسس النظرية حسب رأي الكاتب هي الأسئلة والفرضيات والمفاهيم والمتغيرات والتعميمات والتنبؤات ؛ أسئلة النظرية : وطرح الكاتب مجموعة من الأسئلة لبناء نظريته تدور حول مفهومي الأمن الفكري والإنحراف الفكري ، ومسببات الإنحراف الفكري وكيفية حماية الأمن الفكري داخليا وخارجيا ، ووسائل الحفاظ على التعدد والتنوع في إطار الوحدة الفكرية العامة في المجتمع .
كما بين الفرضيات النظرية :وأطلق الكاتب مجموعة من الفرضيات لنظرية الأمن الفكري من ابرزها ما يحكي عن التسامح وقبول الآخر وانتشار بيئة ملائمة للتطرف وتطرق للتنشئة السليمة في فرضياته واختلاف القيم العليا والتوعية والارشاد على مستوى الدولة والاستراتيجيات الأمنية للضبط الأمني الرسمي وطبيعة التعاون بين الجماعات الاجرامية وعلاقتها بالعمليات الانتحارية .
وتعرض مجموعة من المفاهيم الرئيسة في النظرية :
أورد الكاتب جملة كبيرة من المفاهيم التي تبرز واضحة في نظرية الامن الفكري من أهمها :
( الأمن، الاعتدال ،، التنوع ،، الوحدة ،، الغزو الثقافي ،، البيئة الحاضنة ،، الصدام الحضاري ،، الغلو والتطرف ،، التغرير ،، التكفير … الخ )
كما وضح القضايا الرئيسة للنظرية : حيث اشتملت النظرية على أبرز قضايا الأمن الفكري باعتباره هدفا استراتيجيا للدولة فإذا فسد فقد فسد الأمن الوطني واستنزفت موارد الدولة البشرية والمادية عندها سينتشر التخلف والجهل ويزداد الانقسام والصراعات الفكرية .

وقدم تعميمات للنظرية: لقد ذكر الكاتب العوامل الداعمة للأمن الفكري العربي الإسلامي وأبرزها :

  • القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة
  • الولاء للقيادات والانظمة السياسية
  • الالمام بالقوانين والعادات والاعراف
  • الوحدة الوطنية واللغوية
  • التعدد والتنوع الفكري
  • انتشار الانترنت والتطور التكنولوجي
  • الانسجام بين مكنونات المجتمع … الخ
    ثم تحدث عن معوقات الأمن الفكري بظهور الجماعات الارهابية واتساع النطاق الجغرافي والتمزق بين المذاهب الدينية والفقر والفراغ بين افراد المجتمع وعدم الولاء للنظام السياسي
    إلا أن الكاتب أوضح أن العوامل الداعمة تمتاز بالقوة ويمكن الحفاظ على استمراريتها أما العوامل المعوقة فيمكن علاجها من خلال وضع سياسات واستراتيجيات لتصحيحها والحد من انتشارها .
    واخيرا التنبؤات التي تقدمها النظرية :
    في نهاية بناء وتطور النظرية يوضح الكاتب أن الانحراف الفكري متضاد مع الأمن الفكري ويرى الكاتب أن الأمن الفكري خلال السنوات القادمة سيواجه تحديات كبيرة من قبل الجماعات و الأفراد في غثارة الفتنة مستغلةً بذلك التكنولوجيا لنشر أفكارهم و ادعاءاتهم بقدرتهم على رفع المستوى المعيشي وتحصيل حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية . هنا يتضح أن الكاتب ليس متفائلا لما قد يؤول إليه مستقبل السياسة والأمن الفكري والامن الوطني .

وبرأيي من خلال هذه القراء أن الكاتب قد أحاط النظرية إحاطة شاملة ، لم يترك ثغرة في بنائه تقتات عليها أفكار المغرضين أو أن تبني العناكب السوداء لها بيوتا واهنة لتتمرد وتنتشر من خلالها . ورغم تجربتي الضئيلة ألا أنني ك دارس لعلم السياسة أرى انها بداية لنظريات قويمة لبناء الإنسان بناءا سياسيا محكما .. وفي نظري هي ك سكة حديدية لتسير على هداها بقية النظريات هي محددة المعالم واضحة الفكر شاملة ..
وأخيرا أهنيء نفسي وابناء بلدي ب الكاتب والمفكر السياسي د. حسن الدعجة والذي هو شرف لي ان اكون من طلبته واتمنى له المزيد من التطور والتقدم والمزيد من أطروحاته في الفكر السياسي والله ولي التوفيق.

شارك:

شاهد أيضاً

سامية المراشدة تكتب: عادتهم ما بتتغير ..

أغلب الإتصالات الهاتفية استثمرت تحت عنوان ” جيب الأغراض يا أبو العبد ولا تنسى ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.