م صلاح طه عبيدات يكتب: صراع الذاكرة والسلطة في الذهنية الإيرانية
نبأ الأردن -
ثمة لحظات في التاريخ لا تُقاس بميزان القوة ولا بميزان الجغرافيا، بل بميزان الوجدان الجمعي. لحظات تتجاوز حدود الدول، وتستيقظ فيها طبقات عميقة من الذاكرة، أعمق من السياسة، وأقدم من الدولة نفسها.
مقتل المرشد ــ أيًّا يكن موقعه السياسي ــ يتحول في العقل الديني الذي تشرب الأسطورة إلى حدثٍ لا يُقرأ في الحاضر، بل يُسحب مباشرة إلى الماضي: إلى كربلاء، إلى الرمز الأول، إلى الجرح الذي لم يلتئم.
في المخيال الذي صاغته القرون، لا يموت القائد، بل يُستشهد. ولا يُغتال السياسي، بل يُعاد تمثيل الحسين فيه. ولهذا تصبح الحادثة حدثًا ميتافيزيقياً قبل أن تكون حدثاً سياسياً.
فالثأر هنا ليس فعلًا عسكريًا، بل طقسًا وجودياً تعيشه جماعة ترى نفسها منذ قرون على مسرح ملحمي لا تُرفع ستائره أبداً.
والحوزة، التي قد تخسر الدولة، لا تخسر المشهد؛ المشهد هو وطنها الحقيقي.
قد تسقط الأنظمة، قد تتبدل الجغرافيا، لكن البنية العمیقة التي صاغت الوعي ــ المظلومية، الثأر، انتظار المخلّص ــ تظل متماسكة، لأنها ليست فكرة فوقية، بل روحًا سكنت الجماعة.
هنا يصبح السؤال السياسي المعاصر ضيقًا أمام الأفق الثقافي:
هل ستتغيّر إيران أم ستتغيّر الدولة فقط؟
هل تسقط السلطة أم تسقط الأسطورة؟
والجواب قد لا يكون في يد أحد؛ لأن السلطة تُختطف، لكن الأسطورة لا تُهزم.
وحين تدخل دولة ما في صراع بين الهوية الماورائية والهوية المدنية، فهي لا تدخل حربًا سياسية، بل تدخل حربًا على شكل الروح نفسها.
فالتيار المدني يريد استعادة الزمن الخالي من الرموز،
والتيار الديني يعيش زمنًا لا ينتهي، زمنًا يبدأ في كربلاء وينداح في كل معركة،
ولا يستطيع أحدهما فهم الآخر، لأنهما يختلفان في تعريف الزمن ذاته.
ربما تدخل إيران صراعًا داخليًا عميقًا؛
صراعًا بين شعبين يسكنان وطنًا واحدًا…
شعبٍ يرى المستقبل في الأمام،
وشعبٍ يرى المستقبل في الماضي.
وفي هذا النوع من الصراع لا يُهزم أحد، ولا ينتصر أحد، لأن الطرفين يحاربان على ملكية المعنى، لا على ملكية الأرض.
وفي النهاية قد ندرك أن أخطر ما في الشرق ليس بندقيته، بل ذاكرته.
وأن الذي يوقظ الذاكرة لا يعرف كيف يعيدها إلى النوم.
فحين تفتح جرحًا مقدسًا، تتحول السياسة إلى أسطورة، والأسطورة إلى طوفان، والطوفان لا يُدار… بل يُنتظر أن يهدأ.






















