أفضل مساعدة تقدمها أميركا لسورية هي الانسحاب منها

نبأ الأردن -
نشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالة بقلم السفير الأميركي السابق في سورية، روبرت فورد، قبل إبرام الاتفاق بين الحكومة السورية و"قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، دعا فيه إلى سحب القوات الأميركية من سورية. وننشر هذا المقال هذا نظراً لأهميته. هل يعبّد هذا الاتفاق الطريق أمام الانسحاب الأميركي من سورية؟ هذا ما يناقشه المقال أدناه:
***
انتهت الحرب الأهلية السورية التي دامت 13 عاماً بصورة مفاجئة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، عندما اجتاحت قوات تابعة للجماعة الإسلامية المسلحة "هيئة تحرير الشام" مناطق الجنوب انطلاقاً من معاقلها شمال غربي البلاد، مما أدى إلى سقوط حكومة الرئيس بشار الأسد. وخلال أسابيع قليلة، انتهى نظام استمر ستة عقود. واليوم تتولى "هيئة تحرير الشام" بقيادة أحمد الشرع البراغماتي إدارة الحكومة السورية المؤقتة، وهي في طريقها لرئاسة حكومة انتقالية سيُعلن عنها خلال الربيع. وما يزال من غير المؤكد كيف سيتمكن الشرع من توحيد بلد متنوع ومنقسم، وما إذا كان سيكبح العناصر المتشددة داخل "هيئة تحرير الشام"، وما إذا كان سينجح في كسب دعم المجتمعات السورية الأخرى في حال تبنى نهجاً أكثر اعتدالاً وشمولية.
من بين الشكوك التي تواجه سورية مستقبل الدور الأميركي داخل البلاد. فمنذ العام 2014 دعمت واشنطن حكومة ذاتية الحكم، بحكم الأمر الواقع، في شمال شرق سورية، والتي تشكلت بصورة رئيسة- ولكن ليس حصرية- من فصائل كردية. وقد استفادت هذه القوات التي تعمل تحت راية "قوات سورية الديمقراطية" من الفوضى التي أطلقتها الحرب الأهلية السورية لتشكيل كيان شبه مستقل على الحدود مع تركيا. وخاضت "قوات سورية الديمقراطية" معارك ضد قوات الأسد والجيش التركي والمليشيات المدعومة من أنقرة، فضلاً عن جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، وبخاصة تنظيم "داعش". وعملت القوات الأميركية عن كثب مع "قوات سورية الديمقراطية" لطرد "داعش" من آخر معاقله داخل سورية. وما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بنحو 2.000 جندي بالإضافة إلى متعاقدين، يعملون في نحو 12 موقعاً وقاعدة صغيرة في شرق سورية لدعم جهود "قوات سورية الديمقراطية" للقضاء على "داعش" وردع الهجمات التركية.
ولكن، على الرغم من هذا الدعم ما يزال "داعش" نشطاً في سورية. ومع انهيار نظام الأسد يمكن للولايات المتحدة أن تختار العمل مع شريك جديد من المرجح أن يكون أكثر نفوذاً وفعالية في مكافحة فلول "داعش": الحكومة السورية الجديدة في دمشق. وسيكون من شأن تعاون أكبر- سواء كان مباشراً أو غير مباشر- مع هذه الحكومة الناشئة أن يعزز الأمن الإقليمي، ويساعد في إنهاء القتال المستمر في شرق سورية، ويسمح للولايات المتحدة بتقليل مواردها المخصصة لهذا الملف. وكثيراً ما أعرب الرئيس دونالد ترامب عن استيائه من تورط أميركا في النزاعات الخارجية، لا سيما داخل الشرق الأوسط. ولذلك، فإن الشراكة مع الحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق ستتيح للولايات المتحدة الخروج من سورية وفق شروطها الخاصة.
الأداة الخاطئة
يرى عدد من المسؤولين والمحللين الأميركيين أن الإدارة الذاتية في شمال شرق سورية تمثل شريكاً موثوقاً لضمان ما تأمل واشنطن أن يكون "الهزيمة النهائية" لتنظيم "داعش" داخل البلاد. إلا أن "قوات سورية الديمقراطية"- الجناح العسكري لهذه الإدارة- فشلت في القضاء على هذا التنظيم الإرهابي الإسلاموي. الآن بعد ستة أعوام من سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" على آخر معقل لتنظيم "داعش" في سورية، ما يزال مقاتلو التنظيم الإرهابي المذكور ينشطون في وسط سورية وشرقها. وفي السياق عينه أثارت تصرفات "قوات سورية الديمقراطية" استياء المجتمعات العربية المحلية، حيث تخضع هذه القوات لسيطرة مشددة من المليشيات الكردية المعروفة باسم "وحدات حماية الشعب" YPG، التي ارتكبت عمليات قتل خارج نطاق القضاء والقانون ونفذت عمليات اعتقال غير مشروعة بحق مدنيين عرب، وابتزت عرباً كانوا يحاولون الوصول إلى معلومات عن أقارب معتقلين أو يسعون إلى الإفراج عنهم، وأجبرت الشباب العرب على الانضمام إلى صفوفها، وحرفت النظام التعليمي ليتماشى مع الأجندة السياسية لـ"وحدات حماية الشعب"، وجندت مقاتلين أكراداً غير سوريين. وقد دفعت هذه الممارسات بعض السكان المحليين إلى أحضان "داعش". بطبيعة الحال، تبدو هذه التجاوزات تبدو ضئيلة مقارنة بالجرائم التي ارتكبها نظام الأسد، لكنها تسببت في احتكاك كبير مع السكان العرب -خصوصاً في المناطق التي تعمل فيها "قوات سورية الديمقراطية" تحت قيادة "وحدات حماية الشعب".
كما تواجه "قوات سورية الديمقراطية" تحدياً آخر يتمثل في العداء المستمر بين تركيا و"وحدات حماية الشعب"، حيث تشن "وحدات حماية الشعب" هجمات بين الحين والآخر على مواقع تركية في سورية وداخل تركيا نفسها، مما يعزز الرؤية التركية القديمة التي تعتبر هذه الوحدات جماعة إرهابية. وفي المقابل، تستهدف القوات العسكرية التركية والمليشيات السورية المدعومة من أنقرة "وحدات حماية الشعب" بصورة متكررة في شمال سورية. ويصرف هذا النزاع انتباه وموارد "قوات سورية الديمقراطية" عن محاربة "داعش" في الجنوب.
في أواخر شباط (فبراير) الماضي أطلق زعيم كردي بارز دعوة إلى وقف إطلاق النار مع تركيا. هذا الزعيم هو عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المعروف بـ"بي كي كي"– المليشيات الكردية المسلحة المرتبطة بـ"وحدات حماية الشعب"، والتي تقاتل الحكومة التركية منذ فترة طويلة. وقد دعا أوجلان المقاتلين الموالين له إلى إلقاء أسلحتهم ووقف شن الهجمات ضد تركيا. إلا أن قادة "وحدات حماية الشعب" رفضوا دعوة أوجلان، مصرين على أنها لا تشمل قواتهم. ومن جهتها، ما تزال تركيا غير مستعدة لتغيير سياستها أو قبول إنشاء منطقة كردية ذاتية الحكم في سورية تلعب فيها "وحدات حماية الشعب" دوراً محورياً. ومنذ عهد إدارة الرئيس باراك أوباما، حاولت الإدارات الأميركية الموازنة بين دعم المليشيات الكردية السورية في قتال "داعش"، وبين استيعاب مخاوف أنقرة ورغبتها في استهداف قادة "وحدات حماية الشعب" ومقاتليها والمجتمعات الكردية السورية التي تحتضنهم.
جعلت هذه المظلة العسكرية الأميركية التي تحمي "وحدات حماية الشعب" من الهجمات التركية في شرق سورية الوحدات والإدارة الذاتية التي أنشأتها ترفض أي تسوية مع تركيا أو الحكومة الجديدة في دمشق. ونتيجة لهذا الوضع، توفرت لتنظيم "داعش" مساحة أكبر للعمل، مما يكرس حالة حرب لا نهاية لها.
للحفاظ على الشراكة مع "قوات سورية الديمقراطية" سوف تحتاج إدارة ترامب إلى دعم الجماعات الكردية في معاركها المستقبلية ضد تركيا. وكانت إدارة بايدن قد عمدت بين العامين 2023 و2024، بهدوء، إلى مضاعفة عدد القوات الأميركية العاملة في شرق سورية ليصل إلى نحو 2.000 جندي، في ما هدف جزئياً إلى تمكين القوات الأميركية من توسيع دورياتها غرباً على طول الحدود التركية لتشمل بلدات مهمة مثل كوباني، التي لا تشهد نشاطاً لـ"داعش"، لكنها تواجه ضغوطاً تركية. وخلال كانون الأول (ديسمبر) وبينما كان المتمردون السوريون يطيحون بنظام الأسد، هاجمت مليشيات متحالفة مع تركيا وطائرات مسيرة تركية مواقع كردية قرب كوباني. ومع وجود 2.000 جندي أميركي منتشرين بالفعل، لن يكون ترامب في حاجة إلى إرسال مزيد من القوات الأميركية لتعمل كحاجز أمام غزو بري تركي، لكنه سيحتاج إلى دعم الأكراد بمزيد من التمويل. تعتمد "قوات سورية الديمقراطية" على واشنطن لدفع الرواتب وتأمين المعدات والتدريب، وستصبح هذه الحاجة أكثر إلحاحاً الآن، بعد أن أصبحت تركيا أكثر حرية في التركيز على الإدارة الكردية الذاتية التي تقودها "وحدات حماية الشعب". ومع سقوط الأسد، خصم أنقرة في دمشق، ستوجه أنقرة انتباهها أكثر نحو هذه الإدارة الكردية على حدودها الجنوبية.
في خضم هذا المستنقع من العداوات الكردية - التركية، من السهل نسيان السبب الذي دفع الولايات المتحدة إلى التدخل في هذه المنطقة من سورية في المقام الأول، وهو القضاء على "داعش". لم يكن الهدف الأميركي أبداً نشر قوات في شرق سورية للدفاع عن كيان كردي ناشئ تقوده مليشيات كردية كانت مغمورة سابقاً. وسوف يشكل تبني هذا الهدف الآن انحرافاً كبيراً عن المهمة الأصلية. كما أن "قوات سورية الديمقراطية"، بسبب هويتها وطريقة عملها، أثارت غضب المجتمعات المحلية (العربية تحديداً) والحكومة التركية على حد سواء. وسبق لهذه القوات خلال الحرب التقليدية ضد "داعش" أن شكلت أداة مفيدة للمساعدة في استعادة المناطق التي وقعت تحت سيطرة ما سمي بقوات "الخلافة". ولكن في الحرب لكسب قلوب وعقول المناطق العربية في شرق سورية –التي ما يزال "داعش" يجند المقاتلين في أوساطها – فإن "قوات سورية الديمقراطية" بالتأكيد ليست الأداة المناسبة.
الطريق عبر دمشق
بدلاً من الاعتماد على "قوات سورية الديمقراطية"، يمكن للولايات المتحدة أن تلجأ إلى الحكومة الجديدة في دمشق للمساعدة والتعاون في القضاء على "داعش". قد يبدو هذا ظاهرياً وللوهلة الأولى اقتراحاً غريباً. ما تزال الولايات المتحدة تعتبر "هيئة تحرير الشام"، المليشيات التي أطاحت بنظام الأسد والتي تقود الحكومة السورية راهناً، جماعة إرهابية. لكن هذا التصنيف نفسه لم يمنع واشنطن من التعاون والعمل عن كثب مع "وحدات حماية الشعب" المقربة من "حزب العمال الكردستاني"، الذي يُعتبر هو أيضاً جماعة إرهابية وفق تصنيف الولايات المتحدة. ومن المؤكد هنا أنه لا ينبغي التقليل من أهمية تشدد "هيئة تحرير الشام" وأيديولوجيتها العنفية. وكنت أنا شخصياً- عندما كنت سفيراً للولايات المتحدة في سورية- قد قدتُ جهوداً أميركية في خريف العام 2012 تهدف إلى تصنيف "جبهة النصرة"، الجماعة المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي انبثقت منها أخيراً "هيئة تحرير الشام"، كمنظمة أجنبية إرهابية. وكان علينا خلال شباط (فبراير) 2012 إغلاق السفارة في دمشق بسبب تهديد حقيقي من هذه الجماعة. وفي وقت لاحق قامت "جبهة النصرة" بسحق واستيعاب "الجيش السوري الحر"؛ التحالف الذي كان يضم متمردين مناهضين للأسد في شمال سورية دعمتهم وزارة الخارجية الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية. وقامت "جبهة النصرة" بمضايقة الأقليات المسيحية والعلوية خلال الأعوام الأولى من الحرب الأهلية. وقاد (أحمد) الشرع هذه الجماعة عبر تغييرات مختلفة في الأسماء والمظاهر، إلى أن رست على مسمى "هيئة تحرير الشام" في العام 2017. ومع ذلك، ما يزال كثيرون داخل واشنطن يشككون في أن تكون الصيغة الجديدة لهذه الجماعة قد ابتعدت حقاً من الإرهاب، أو تخلت عن نظرتها الأيديولوجية المتشددة وغير المتسامحة تجاه العالم.
لكن الشرع يصر على خلاف ذلك. فبعد كل شيء أمضت "جبهة النصرة"- التي أصبحت في ما بعد "هيئة تحرير الشام"- أعواماً عديدة في محاولة إبعاد نفسها عن الجماعات الإرهابية الإسلاموية. وكان الشرع نفسه قد انفصل عن "داعش" في العام 2014، ثم خاض مقاتلوه معارك دامية ضد ذلك التنظيم نفسه، (داعش)، حتى تمكنوا في نهاية المطاف من طرده من شمال غرب سورية. وكان الشرع قد انفصل علناً عن تنظيم القاعدة في العام 2016، وقاتلت قواته ضد جماعة مرتبطة بالقاعدة تُعرف باسم جماعة "حرّاس الدين" في شمال غرب سورية. وبالإضافة إلى ذلك، لم تشن "جبهة النصرة" ولا "هيئة تحرير الشام" أي هجمات إرهابية بعد انشقاقهما عن تنظيمي "داعش" و"القاعدة"، كما أنهما قضيا على كل محاولة من قبل هذين التنظيمين لإعادة تأسيس وجودهما في مناطق شمال غرب سورية. ويمكن قول إن أفعال "هيئة تحرير الشام" على مدى الأعوام الثمانية الماضية تجعل من الصعب تبرير إبقائها مُدرجة على القائمة الرسمية للمنظمات الإرهابية الأجنبية. كما حاولت "هيئة تحرير الشام" أيضاً تلميع صورتها أمام الرأي العام. فابتداءً من العام 2022، ومن دون التخلي عن هدفها المتمثل في تأسيس حكومة إسلامية في سورية، شرعت الجماعة في ترميم بيوت المسيحيين وإعادة أراضيهم الزراعية التي كانت قد صادرتها المليشيات الإسلامية خلال أسوأ مراحل الحرب الأهلية في شمال غرب سورية. وقال لي قادة مسيحيون في إدلب خلال شهر أيلول (سبتمبر) 2023 إن معظم الأملاك تقريباً أعيدت إليهم.
يشير هذا السجل الحافل من الأعمال إلى أن "هيئة تحرير الشام"، وليس "قوات سورية الديمقراطية"، هي التي ستقوم على الأرجح بتقويض جاذبية "داعش" في أوساط مجتمعات معينة، لتتمكن في النهاية من استيعابه. وقد ألحق الشرع الهزيمة بـ"القاعدة" و"داعش" في شمال سورية، وكانت المناطق التي سيطر عليها خلال العقد الماضي خالية من أنشطة "داعش". وفي حين تعاني "قوات سورية الديمقراطية" من حصار تركي، تتمتع الحكومة التي تقودها "هيئة تحرير الشام" بدعم إقليمي متزايد، لا سيما من قبل تركيا نفسها. ولعل العنصر الأهم في هذا السياق هو أن بوسع الشرع وبسهولة أن يحوز على دعم الجماعات والمناطق العربية في شرق وشمال شرق سورية، التي يستمد تنظيم "داعش" منها مجنديه.
بالإضافة إلى ذلك، سوف تحتاج الحكومة الانتقالية السورية إلى تبني المجموعات العربية المقاتلة العاملة الآن تحت الإمرة المباشرة لـ"وحدات حماية الشعب"، ووضعها تحت إشراف وزارة الدفاع الناشئة في دمشق. وبالتوازي سيتعين على حكومة دمشق أن تتوصل إلى صيغة تتولى بموجبها مسؤوليات الحكم في المناطق العربية في شرق سورية، وتعفي "قوات سورية الديمقراطية" من مسؤولياتها هناك. وسوف تثير هذه الإجراءات استياء "قوات سورية الديمقراطية" من دون شك، لكنها ستساعد سورية وشركاءها الإقليميين في نهاية المطاف على إلحاق الهزيمة بـ"داعش".
من جهتها، تحتاج إدارة ترامب إلى فتح قناة للتواصل مع الحكومة التي تقودها "هيئة تحرير الشام" لمناقشة الجهود المستقبلية لمواجهة "داعش". وينبغي أن يتضمن الحديث بين الطرفين موضوعات مثل كيفية انضمام المليشيات العربية المحلية العاملة الآن تحت مظلة "قوات سورية الديمقراطية" إلى حملة حكومة دمشق ضد "داعش"، ومسألة نشر قوات تابعة لحكومة دمشق في المناطق التي ما يزال ينشط فيها التنظيم، والجدول الزمني لتلك الإجراءات. ويمكن للطرفين أن يناقشا أيضاً كيفية تبادل المعلومات الاستخباراتية بين سورية والولايات المتحدة -حيث قامت الاستخبارات الأميركية بالفعل بمساعدة الشرع في إحباط هجوم لـ"داعش" في دمشق خلال كانون الثاني (يناير) الماضي. كما يجب أن يتناول النقاش بين الطرفين القضية الأصعب المتمثلة في تحديد مستقبل مخيمي "الهول" و"الروج"، حيث ما يزال هناك قرابة 40 ألف شخص مرتبطين بـ"داعش" معتقلين لدى "قوات سورية الديمقراطية". ولم يتسامح الشرع مع أي تحد سياسي من العناصر الإسلاموية الأكثر تشدداً، وأدارت حكومته في شمال غرب سورية برنامجاً محدوداً لمكافحة التطرف هناك، إلا أن حجم التحدي في "الهول" يتجاوز بدرجات كبيرة كل ما تعامل معه الشرع سابقاً.
لمساعدة حكومة دمشق على تحقيق الاستقرار في سورية ومحاربة تنظيم "داعش"، سيتعين على واشنطن تخفيف العقوبات المفروضة على سورية. وقد تتطلب إعادة بناء سورية بعد التدمير الهائل الذي لحق بها جراء الحرب الأهلية المديدة أكثر من 200 مليار دولار، وفق تقديرات البنك الدولي في العام 2021. وسوف يحتاج السوريون إلى المساعدة الدولية والاستثمار الخاص، بينما ستؤدي العقوبات الأميركية المفروضة على الأجانب الذين يمارسون الأعمال التجارية في سورية إلى إعاقة تدفقات رأس المال والبضائع التي تحتاج إليها البلاد. وقد شدد رجال الأعمال الذين التقيتهم في دمشق خلال كانون الثاني (يناير) الماضي على أن الإعفاءات المؤقتة التي اعتمدتها إدارة بايدن في ذلك الشهر في مجالات الطاقة والمساعدات الإنسانية لا تكفي بأي صورة من الصور، بالنظر إلى حجم عمليات إعادة البناء المطلوبة. وإذا كانت إدارة ترامب مترددة في إلغاء جميع العقوبات على سورية، فيمكنها البدء على الأقل في اعتماد إعفاء لمدة عام واحد قابل للتجديد من العقوبات التي تؤثر في قطاعات المال والبناء والهندسة والصحة، والتعليم، والنقل، والزراعة. ولن تحمّل هذه الإجراءات وزارة الخزانة الأميركية أي تكاليف، حيث ستقدم دول المنطقة وغيرها من الأطراف المانحة المساعدات المطلوبة إلى سورية. لكن العقوبات الثانوية الأميركية يجب أن لا تمنع أولئك المانحين ومستثمري القطاع الخاص من المضي قدماً. سوف تبقى سورية، من دون هذه الاستثمارات، في حال شلل، وغير قادرة على هزيمة "داعش"، تماماً كما كانت حكومة الأسد الضعيفة بين العامين 2017 و2024.
اتركوا زمام القيادة
لا يحكم الابتعاد عن "قوات سورية الديمقراطية" لمصلحة التقارب مع الحكومة الجديدة في دمشق على الأكراد السوريين بمستقبل مظلم؛ إن أمن المجتمعات الكردية وازدهارها لا يعتمدان على القوى الأجنبية، بل على احترام الحكومة السورية لحقوقهم وحقوق جميع المواطنين السوريين. وما يزال من غير الواضح مدى استعداد "هيئة تحرير الشام" لإقامة ديمقراطية شاملة في سورية، لكن من الواضح أن السوريين الذين يعيشون اليوم في ظل الحكومة الجديدة يتمتعون عموماً بحقوق سياسية وشخصية تفوق ما تمتعوا به منذ تولي "حزب البعث" زمام السلطة في العام 1963. وكنت خلال النصف الثاني من كانون الثاني (يناير) الماضي قد قضيت 10 أيام في سورية، من ضمنها أسبوع في دمشق. وقد بدت مظاهر حرية التعبير واضحة في كل مكان. في المقاهي، شعر سوريون لا أعرفهم بالحرية في المشاركة في أحاديث ونقاشات سياسية، وفي انتقاد الحكومة التي تديرها "هيئة تحرير الشام". كما أن الشرطة تركت التظاهرات الصغيرة التي قامت في دمشق من دون مضايقات. ونُصبت زينة عيد الميلاد في الأحياء المسيحية في المدينة القديمة، وقُرعت أجراس الكنائس على نطاق واسع يوم الأحد. ويشعر المسيحيون في دمشق بالتوتر، لكنهم أقروا بأن مخاوفهم لا تتعلق بسلوك "هيئة تحرير الشام" بقدر ما هي نابعة من قلق تجاه خلفيتها الأيديولوجية.
لدى ترامب وجهة نظر محقة تتمثل في الابتعاد عن الصيغ التقريرية تجاه التطورات السياسية في سورية. وغرد ترامب في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، مباشرة بعد فرار الأسد من سورية إلى روسيا، قائلاً إن مستقبل سورية ليس مسألة تمليها الولايات المتحدة وتقررها. يحتاج السوريون إلى دستور جديد ربما ينتهي الأمر به إلى استيعاب نمط من أنماط اللامركزية والفيدرالية– وهي سمات الدولة المستقبلية التي يحرص قادة "قوات سورية الديمقراطية" وغيرهم من قادة الأقليات الأخرى في سورية على تأمينها وضمان تحققها. وسوف تستغرق صياغة هذا الدستور بالضرورة وقتاً طويلاً وستتطلب الكثير من الصبر، لكنّ السوريين لن يتمكنوا من إجراء الانتخابات إلا عبر دستور قوي.
من المهم أن نتذكر بطبيعة الحال أن الانتخابات في سورية ستكون لها فرصة أفضل لتعزيز الاستقرار الحقيقي والحكم الرشيد إذا عملت الحكومة الانتقالية بالفعل على تطبيق سيادة القانون وحماية الحريات السياسية والفردية، بما في ذلك حرية الرأي والخطاب، وحرية الدين وحرية التجمع، وابتعدت عن ممارسات الاعتقال التعسفي. وعلى الدول الغربية أن تركز على تشجيع دمشق على معاملة السوريين كمواطنين متساوين في دولة واحدة يتمتعون فيها جميعاً بالحقوق الأساسية. وعلى القوى الخارجية أن لا تنحو أو تسعى إلى تأليب الأكراد والمسيحيين والدروز والعلويين والمسلمين السنة على بعضهم بعضاً.
على الولايات المتحدة من جهتها أن تكون مستعدة للتخلي عن "قوات سورية الديمقراطية"، وتشجيعها على الاندماج في هيكليات وبنى سورية الجديدة. كما ينبغي على واشنطن الإصرار على أن القوات الأميركية لن تبقى في سورية لأكثر من عامين إضافيين تزامناً مع تقدم الانتقال في السلطة في شمال شرقي سورية. وتستطيع جميع المجموعات الكردية والعربية التابعة لـ"قوات سورية الديمقراطية" الاندماج في الجيش السوري الجديد ضمن هذا الإطار الزمني. وعلى واشنطن أن تضغط على دمشق و"قوات سورية الديمقراطية"، وعلى الإدارة الكردية المستقلة، للتفاوض على ترتيب انتقالي يغطي المسائل الأمنية، والمستقبل القريب للهياكل الإدارية القائمة في منطقة الإدارة الذاتية، وعلى إعادة إدخال خدمات الحكومة المركزية، بما في ذلك مراقبة الحدود وإعادة فتح المكاتب الإدارية الحكومية المركزية التي تصدر جوازات السفر وتسجل معاملات الأملاك. لكنّ على واشنطن أن لا تغرق في التفاصيل. وهي لا تحتاج إلى ذلك، لكن عليها أن توضح لدمشق مسألة بسيطة: إذا حاولت الحكومة السورية الجديدة تهميش الإدارة الكردية المستقلة وفرضت انتقالاً من دون تعاون كردي، فإن هذا سيشعل نزاعاً جديداً ويعوق محاربة "داعش"، ويؤجل تفكير الولايات المتحدة في تخفيف مزيد من العقوبات. يجب أن تكون رسالة واشنطن إلى "قوات سورية الديمقراطية" بسيطة أيضاً: يعني سقوط نظام الأسد أن الوقت قد حان لتقديم تنازلات صعبة في جوانب الأمن والإدارة في مناطق سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" –بما في ذلك حل هذه القوات تدريجاً.
لا ينبغي على الولايات المتحدة أن تضغط بغية الحصول على حصة أو منصب حكومي محدد للأكراد السوريين أو لأي فئة أخرى. لقد رفضت "هيئة تحرير الشام" فكرة توزيع الحصص على أسس عرقية أو طائفية، واعتبرت نظام التحاصص الإثني والديني الذي دعمته الولايات المتحدة في العراق الجار منذ 20 عاماً نظاماً خاطئاً. ويشكل الانخراط العام المعزز بسيادة القانون وحماية الحريات السياسية والشخصية السبيل الوحيد لبناء ديمقراطية حقيقية في سورية. ستكون العملية بطيئة وفوضوية، وسيكون على السوريين قبل غيرهم حل هذه الأمور، ولكن ينبغي أن لا تكون هناك حاجة إلى أميركية مباشرة على زمام القيادة، أو أحذية عسكرية أميركية على الأرض السورية.
*روبرت س. فورد*: باحث رفيع في "معهد الشرق الأوسط". شغل منصب السفير الأميركي لدى سورية في الأعوام بين 2011 و2014.
هذا المقال مترجم عن "فورين أفيرز" حيث نشر في 8 آذار (مارس) 2025.
***
انتهت الحرب الأهلية السورية التي دامت 13 عاماً بصورة مفاجئة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، عندما اجتاحت قوات تابعة للجماعة الإسلامية المسلحة "هيئة تحرير الشام" مناطق الجنوب انطلاقاً من معاقلها شمال غربي البلاد، مما أدى إلى سقوط حكومة الرئيس بشار الأسد. وخلال أسابيع قليلة، انتهى نظام استمر ستة عقود. واليوم تتولى "هيئة تحرير الشام" بقيادة أحمد الشرع البراغماتي إدارة الحكومة السورية المؤقتة، وهي في طريقها لرئاسة حكومة انتقالية سيُعلن عنها خلال الربيع. وما يزال من غير المؤكد كيف سيتمكن الشرع من توحيد بلد متنوع ومنقسم، وما إذا كان سيكبح العناصر المتشددة داخل "هيئة تحرير الشام"، وما إذا كان سينجح في كسب دعم المجتمعات السورية الأخرى في حال تبنى نهجاً أكثر اعتدالاً وشمولية.
من بين الشكوك التي تواجه سورية مستقبل الدور الأميركي داخل البلاد. فمنذ العام 2014 دعمت واشنطن حكومة ذاتية الحكم، بحكم الأمر الواقع، في شمال شرق سورية، والتي تشكلت بصورة رئيسة- ولكن ليس حصرية- من فصائل كردية. وقد استفادت هذه القوات التي تعمل تحت راية "قوات سورية الديمقراطية" من الفوضى التي أطلقتها الحرب الأهلية السورية لتشكيل كيان شبه مستقل على الحدود مع تركيا. وخاضت "قوات سورية الديمقراطية" معارك ضد قوات الأسد والجيش التركي والمليشيات المدعومة من أنقرة، فضلاً عن جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، وبخاصة تنظيم "داعش". وعملت القوات الأميركية عن كثب مع "قوات سورية الديمقراطية" لطرد "داعش" من آخر معاقله داخل سورية. وما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بنحو 2.000 جندي بالإضافة إلى متعاقدين، يعملون في نحو 12 موقعاً وقاعدة صغيرة في شرق سورية لدعم جهود "قوات سورية الديمقراطية" للقضاء على "داعش" وردع الهجمات التركية.
ولكن، على الرغم من هذا الدعم ما يزال "داعش" نشطاً في سورية. ومع انهيار نظام الأسد يمكن للولايات المتحدة أن تختار العمل مع شريك جديد من المرجح أن يكون أكثر نفوذاً وفعالية في مكافحة فلول "داعش": الحكومة السورية الجديدة في دمشق. وسيكون من شأن تعاون أكبر- سواء كان مباشراً أو غير مباشر- مع هذه الحكومة الناشئة أن يعزز الأمن الإقليمي، ويساعد في إنهاء القتال المستمر في شرق سورية، ويسمح للولايات المتحدة بتقليل مواردها المخصصة لهذا الملف. وكثيراً ما أعرب الرئيس دونالد ترامب عن استيائه من تورط أميركا في النزاعات الخارجية، لا سيما داخل الشرق الأوسط. ولذلك، فإن الشراكة مع الحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق ستتيح للولايات المتحدة الخروج من سورية وفق شروطها الخاصة.
الأداة الخاطئة
يرى عدد من المسؤولين والمحللين الأميركيين أن الإدارة الذاتية في شمال شرق سورية تمثل شريكاً موثوقاً لضمان ما تأمل واشنطن أن يكون "الهزيمة النهائية" لتنظيم "داعش" داخل البلاد. إلا أن "قوات سورية الديمقراطية"- الجناح العسكري لهذه الإدارة- فشلت في القضاء على هذا التنظيم الإرهابي الإسلاموي. الآن بعد ستة أعوام من سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" على آخر معقل لتنظيم "داعش" في سورية، ما يزال مقاتلو التنظيم الإرهابي المذكور ينشطون في وسط سورية وشرقها. وفي السياق عينه أثارت تصرفات "قوات سورية الديمقراطية" استياء المجتمعات العربية المحلية، حيث تخضع هذه القوات لسيطرة مشددة من المليشيات الكردية المعروفة باسم "وحدات حماية الشعب" YPG، التي ارتكبت عمليات قتل خارج نطاق القضاء والقانون ونفذت عمليات اعتقال غير مشروعة بحق مدنيين عرب، وابتزت عرباً كانوا يحاولون الوصول إلى معلومات عن أقارب معتقلين أو يسعون إلى الإفراج عنهم، وأجبرت الشباب العرب على الانضمام إلى صفوفها، وحرفت النظام التعليمي ليتماشى مع الأجندة السياسية لـ"وحدات حماية الشعب"، وجندت مقاتلين أكراداً غير سوريين. وقد دفعت هذه الممارسات بعض السكان المحليين إلى أحضان "داعش". بطبيعة الحال، تبدو هذه التجاوزات تبدو ضئيلة مقارنة بالجرائم التي ارتكبها نظام الأسد، لكنها تسببت في احتكاك كبير مع السكان العرب -خصوصاً في المناطق التي تعمل فيها "قوات سورية الديمقراطية" تحت قيادة "وحدات حماية الشعب".
كما تواجه "قوات سورية الديمقراطية" تحدياً آخر يتمثل في العداء المستمر بين تركيا و"وحدات حماية الشعب"، حيث تشن "وحدات حماية الشعب" هجمات بين الحين والآخر على مواقع تركية في سورية وداخل تركيا نفسها، مما يعزز الرؤية التركية القديمة التي تعتبر هذه الوحدات جماعة إرهابية. وفي المقابل، تستهدف القوات العسكرية التركية والمليشيات السورية المدعومة من أنقرة "وحدات حماية الشعب" بصورة متكررة في شمال سورية. ويصرف هذا النزاع انتباه وموارد "قوات سورية الديمقراطية" عن محاربة "داعش" في الجنوب.
في أواخر شباط (فبراير) الماضي أطلق زعيم كردي بارز دعوة إلى وقف إطلاق النار مع تركيا. هذا الزعيم هو عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المعروف بـ"بي كي كي"– المليشيات الكردية المسلحة المرتبطة بـ"وحدات حماية الشعب"، والتي تقاتل الحكومة التركية منذ فترة طويلة. وقد دعا أوجلان المقاتلين الموالين له إلى إلقاء أسلحتهم ووقف شن الهجمات ضد تركيا. إلا أن قادة "وحدات حماية الشعب" رفضوا دعوة أوجلان، مصرين على أنها لا تشمل قواتهم. ومن جهتها، ما تزال تركيا غير مستعدة لتغيير سياستها أو قبول إنشاء منطقة كردية ذاتية الحكم في سورية تلعب فيها "وحدات حماية الشعب" دوراً محورياً. ومنذ عهد إدارة الرئيس باراك أوباما، حاولت الإدارات الأميركية الموازنة بين دعم المليشيات الكردية السورية في قتال "داعش"، وبين استيعاب مخاوف أنقرة ورغبتها في استهداف قادة "وحدات حماية الشعب" ومقاتليها والمجتمعات الكردية السورية التي تحتضنهم.
جعلت هذه المظلة العسكرية الأميركية التي تحمي "وحدات حماية الشعب" من الهجمات التركية في شرق سورية الوحدات والإدارة الذاتية التي أنشأتها ترفض أي تسوية مع تركيا أو الحكومة الجديدة في دمشق. ونتيجة لهذا الوضع، توفرت لتنظيم "داعش" مساحة أكبر للعمل، مما يكرس حالة حرب لا نهاية لها.
للحفاظ على الشراكة مع "قوات سورية الديمقراطية" سوف تحتاج إدارة ترامب إلى دعم الجماعات الكردية في معاركها المستقبلية ضد تركيا. وكانت إدارة بايدن قد عمدت بين العامين 2023 و2024، بهدوء، إلى مضاعفة عدد القوات الأميركية العاملة في شرق سورية ليصل إلى نحو 2.000 جندي، في ما هدف جزئياً إلى تمكين القوات الأميركية من توسيع دورياتها غرباً على طول الحدود التركية لتشمل بلدات مهمة مثل كوباني، التي لا تشهد نشاطاً لـ"داعش"، لكنها تواجه ضغوطاً تركية. وخلال كانون الأول (ديسمبر) وبينما كان المتمردون السوريون يطيحون بنظام الأسد، هاجمت مليشيات متحالفة مع تركيا وطائرات مسيرة تركية مواقع كردية قرب كوباني. ومع وجود 2.000 جندي أميركي منتشرين بالفعل، لن يكون ترامب في حاجة إلى إرسال مزيد من القوات الأميركية لتعمل كحاجز أمام غزو بري تركي، لكنه سيحتاج إلى دعم الأكراد بمزيد من التمويل. تعتمد "قوات سورية الديمقراطية" على واشنطن لدفع الرواتب وتأمين المعدات والتدريب، وستصبح هذه الحاجة أكثر إلحاحاً الآن، بعد أن أصبحت تركيا أكثر حرية في التركيز على الإدارة الكردية الذاتية التي تقودها "وحدات حماية الشعب". ومع سقوط الأسد، خصم أنقرة في دمشق، ستوجه أنقرة انتباهها أكثر نحو هذه الإدارة الكردية على حدودها الجنوبية.
في خضم هذا المستنقع من العداوات الكردية - التركية، من السهل نسيان السبب الذي دفع الولايات المتحدة إلى التدخل في هذه المنطقة من سورية في المقام الأول، وهو القضاء على "داعش". لم يكن الهدف الأميركي أبداً نشر قوات في شرق سورية للدفاع عن كيان كردي ناشئ تقوده مليشيات كردية كانت مغمورة سابقاً. وسوف يشكل تبني هذا الهدف الآن انحرافاً كبيراً عن المهمة الأصلية. كما أن "قوات سورية الديمقراطية"، بسبب هويتها وطريقة عملها، أثارت غضب المجتمعات المحلية (العربية تحديداً) والحكومة التركية على حد سواء. وسبق لهذه القوات خلال الحرب التقليدية ضد "داعش" أن شكلت أداة مفيدة للمساعدة في استعادة المناطق التي وقعت تحت سيطرة ما سمي بقوات "الخلافة". ولكن في الحرب لكسب قلوب وعقول المناطق العربية في شرق سورية –التي ما يزال "داعش" يجند المقاتلين في أوساطها – فإن "قوات سورية الديمقراطية" بالتأكيد ليست الأداة المناسبة.
الطريق عبر دمشق
بدلاً من الاعتماد على "قوات سورية الديمقراطية"، يمكن للولايات المتحدة أن تلجأ إلى الحكومة الجديدة في دمشق للمساعدة والتعاون في القضاء على "داعش". قد يبدو هذا ظاهرياً وللوهلة الأولى اقتراحاً غريباً. ما تزال الولايات المتحدة تعتبر "هيئة تحرير الشام"، المليشيات التي أطاحت بنظام الأسد والتي تقود الحكومة السورية راهناً، جماعة إرهابية. لكن هذا التصنيف نفسه لم يمنع واشنطن من التعاون والعمل عن كثب مع "وحدات حماية الشعب" المقربة من "حزب العمال الكردستاني"، الذي يُعتبر هو أيضاً جماعة إرهابية وفق تصنيف الولايات المتحدة. ومن المؤكد هنا أنه لا ينبغي التقليل من أهمية تشدد "هيئة تحرير الشام" وأيديولوجيتها العنفية. وكنت أنا شخصياً- عندما كنت سفيراً للولايات المتحدة في سورية- قد قدتُ جهوداً أميركية في خريف العام 2012 تهدف إلى تصنيف "جبهة النصرة"، الجماعة المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي انبثقت منها أخيراً "هيئة تحرير الشام"، كمنظمة أجنبية إرهابية. وكان علينا خلال شباط (فبراير) 2012 إغلاق السفارة في دمشق بسبب تهديد حقيقي من هذه الجماعة. وفي وقت لاحق قامت "جبهة النصرة" بسحق واستيعاب "الجيش السوري الحر"؛ التحالف الذي كان يضم متمردين مناهضين للأسد في شمال سورية دعمتهم وزارة الخارجية الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية. وقامت "جبهة النصرة" بمضايقة الأقليات المسيحية والعلوية خلال الأعوام الأولى من الحرب الأهلية. وقاد (أحمد) الشرع هذه الجماعة عبر تغييرات مختلفة في الأسماء والمظاهر، إلى أن رست على مسمى "هيئة تحرير الشام" في العام 2017. ومع ذلك، ما يزال كثيرون داخل واشنطن يشككون في أن تكون الصيغة الجديدة لهذه الجماعة قد ابتعدت حقاً من الإرهاب، أو تخلت عن نظرتها الأيديولوجية المتشددة وغير المتسامحة تجاه العالم.
لكن الشرع يصر على خلاف ذلك. فبعد كل شيء أمضت "جبهة النصرة"- التي أصبحت في ما بعد "هيئة تحرير الشام"- أعواماً عديدة في محاولة إبعاد نفسها عن الجماعات الإرهابية الإسلاموية. وكان الشرع نفسه قد انفصل عن "داعش" في العام 2014، ثم خاض مقاتلوه معارك دامية ضد ذلك التنظيم نفسه، (داعش)، حتى تمكنوا في نهاية المطاف من طرده من شمال غرب سورية. وكان الشرع قد انفصل علناً عن تنظيم القاعدة في العام 2016، وقاتلت قواته ضد جماعة مرتبطة بالقاعدة تُعرف باسم جماعة "حرّاس الدين" في شمال غرب سورية. وبالإضافة إلى ذلك، لم تشن "جبهة النصرة" ولا "هيئة تحرير الشام" أي هجمات إرهابية بعد انشقاقهما عن تنظيمي "داعش" و"القاعدة"، كما أنهما قضيا على كل محاولة من قبل هذين التنظيمين لإعادة تأسيس وجودهما في مناطق شمال غرب سورية. ويمكن قول إن أفعال "هيئة تحرير الشام" على مدى الأعوام الثمانية الماضية تجعل من الصعب تبرير إبقائها مُدرجة على القائمة الرسمية للمنظمات الإرهابية الأجنبية. كما حاولت "هيئة تحرير الشام" أيضاً تلميع صورتها أمام الرأي العام. فابتداءً من العام 2022، ومن دون التخلي عن هدفها المتمثل في تأسيس حكومة إسلامية في سورية، شرعت الجماعة في ترميم بيوت المسيحيين وإعادة أراضيهم الزراعية التي كانت قد صادرتها المليشيات الإسلامية خلال أسوأ مراحل الحرب الأهلية في شمال غرب سورية. وقال لي قادة مسيحيون في إدلب خلال شهر أيلول (سبتمبر) 2023 إن معظم الأملاك تقريباً أعيدت إليهم.
يشير هذا السجل الحافل من الأعمال إلى أن "هيئة تحرير الشام"، وليس "قوات سورية الديمقراطية"، هي التي ستقوم على الأرجح بتقويض جاذبية "داعش" في أوساط مجتمعات معينة، لتتمكن في النهاية من استيعابه. وقد ألحق الشرع الهزيمة بـ"القاعدة" و"داعش" في شمال سورية، وكانت المناطق التي سيطر عليها خلال العقد الماضي خالية من أنشطة "داعش". وفي حين تعاني "قوات سورية الديمقراطية" من حصار تركي، تتمتع الحكومة التي تقودها "هيئة تحرير الشام" بدعم إقليمي متزايد، لا سيما من قبل تركيا نفسها. ولعل العنصر الأهم في هذا السياق هو أن بوسع الشرع وبسهولة أن يحوز على دعم الجماعات والمناطق العربية في شرق وشمال شرق سورية، التي يستمد تنظيم "داعش" منها مجنديه.
بالإضافة إلى ذلك، سوف تحتاج الحكومة الانتقالية السورية إلى تبني المجموعات العربية المقاتلة العاملة الآن تحت الإمرة المباشرة لـ"وحدات حماية الشعب"، ووضعها تحت إشراف وزارة الدفاع الناشئة في دمشق. وبالتوازي سيتعين على حكومة دمشق أن تتوصل إلى صيغة تتولى بموجبها مسؤوليات الحكم في المناطق العربية في شرق سورية، وتعفي "قوات سورية الديمقراطية" من مسؤولياتها هناك. وسوف تثير هذه الإجراءات استياء "قوات سورية الديمقراطية" من دون شك، لكنها ستساعد سورية وشركاءها الإقليميين في نهاية المطاف على إلحاق الهزيمة بـ"داعش".
من جهتها، تحتاج إدارة ترامب إلى فتح قناة للتواصل مع الحكومة التي تقودها "هيئة تحرير الشام" لمناقشة الجهود المستقبلية لمواجهة "داعش". وينبغي أن يتضمن الحديث بين الطرفين موضوعات مثل كيفية انضمام المليشيات العربية المحلية العاملة الآن تحت مظلة "قوات سورية الديمقراطية" إلى حملة حكومة دمشق ضد "داعش"، ومسألة نشر قوات تابعة لحكومة دمشق في المناطق التي ما يزال ينشط فيها التنظيم، والجدول الزمني لتلك الإجراءات. ويمكن للطرفين أن يناقشا أيضاً كيفية تبادل المعلومات الاستخباراتية بين سورية والولايات المتحدة -حيث قامت الاستخبارات الأميركية بالفعل بمساعدة الشرع في إحباط هجوم لـ"داعش" في دمشق خلال كانون الثاني (يناير) الماضي. كما يجب أن يتناول النقاش بين الطرفين القضية الأصعب المتمثلة في تحديد مستقبل مخيمي "الهول" و"الروج"، حيث ما يزال هناك قرابة 40 ألف شخص مرتبطين بـ"داعش" معتقلين لدى "قوات سورية الديمقراطية". ولم يتسامح الشرع مع أي تحد سياسي من العناصر الإسلاموية الأكثر تشدداً، وأدارت حكومته في شمال غرب سورية برنامجاً محدوداً لمكافحة التطرف هناك، إلا أن حجم التحدي في "الهول" يتجاوز بدرجات كبيرة كل ما تعامل معه الشرع سابقاً.
لمساعدة حكومة دمشق على تحقيق الاستقرار في سورية ومحاربة تنظيم "داعش"، سيتعين على واشنطن تخفيف العقوبات المفروضة على سورية. وقد تتطلب إعادة بناء سورية بعد التدمير الهائل الذي لحق بها جراء الحرب الأهلية المديدة أكثر من 200 مليار دولار، وفق تقديرات البنك الدولي في العام 2021. وسوف يحتاج السوريون إلى المساعدة الدولية والاستثمار الخاص، بينما ستؤدي العقوبات الأميركية المفروضة على الأجانب الذين يمارسون الأعمال التجارية في سورية إلى إعاقة تدفقات رأس المال والبضائع التي تحتاج إليها البلاد. وقد شدد رجال الأعمال الذين التقيتهم في دمشق خلال كانون الثاني (يناير) الماضي على أن الإعفاءات المؤقتة التي اعتمدتها إدارة بايدن في ذلك الشهر في مجالات الطاقة والمساعدات الإنسانية لا تكفي بأي صورة من الصور، بالنظر إلى حجم عمليات إعادة البناء المطلوبة. وإذا كانت إدارة ترامب مترددة في إلغاء جميع العقوبات على سورية، فيمكنها البدء على الأقل في اعتماد إعفاء لمدة عام واحد قابل للتجديد من العقوبات التي تؤثر في قطاعات المال والبناء والهندسة والصحة، والتعليم، والنقل، والزراعة. ولن تحمّل هذه الإجراءات وزارة الخزانة الأميركية أي تكاليف، حيث ستقدم دول المنطقة وغيرها من الأطراف المانحة المساعدات المطلوبة إلى سورية. لكن العقوبات الثانوية الأميركية يجب أن لا تمنع أولئك المانحين ومستثمري القطاع الخاص من المضي قدماً. سوف تبقى سورية، من دون هذه الاستثمارات، في حال شلل، وغير قادرة على هزيمة "داعش"، تماماً كما كانت حكومة الأسد الضعيفة بين العامين 2017 و2024.
اتركوا زمام القيادة
لا يحكم الابتعاد عن "قوات سورية الديمقراطية" لمصلحة التقارب مع الحكومة الجديدة في دمشق على الأكراد السوريين بمستقبل مظلم؛ إن أمن المجتمعات الكردية وازدهارها لا يعتمدان على القوى الأجنبية، بل على احترام الحكومة السورية لحقوقهم وحقوق جميع المواطنين السوريين. وما يزال من غير الواضح مدى استعداد "هيئة تحرير الشام" لإقامة ديمقراطية شاملة في سورية، لكن من الواضح أن السوريين الذين يعيشون اليوم في ظل الحكومة الجديدة يتمتعون عموماً بحقوق سياسية وشخصية تفوق ما تمتعوا به منذ تولي "حزب البعث" زمام السلطة في العام 1963. وكنت خلال النصف الثاني من كانون الثاني (يناير) الماضي قد قضيت 10 أيام في سورية، من ضمنها أسبوع في دمشق. وقد بدت مظاهر حرية التعبير واضحة في كل مكان. في المقاهي، شعر سوريون لا أعرفهم بالحرية في المشاركة في أحاديث ونقاشات سياسية، وفي انتقاد الحكومة التي تديرها "هيئة تحرير الشام". كما أن الشرطة تركت التظاهرات الصغيرة التي قامت في دمشق من دون مضايقات. ونُصبت زينة عيد الميلاد في الأحياء المسيحية في المدينة القديمة، وقُرعت أجراس الكنائس على نطاق واسع يوم الأحد. ويشعر المسيحيون في دمشق بالتوتر، لكنهم أقروا بأن مخاوفهم لا تتعلق بسلوك "هيئة تحرير الشام" بقدر ما هي نابعة من قلق تجاه خلفيتها الأيديولوجية.
لدى ترامب وجهة نظر محقة تتمثل في الابتعاد عن الصيغ التقريرية تجاه التطورات السياسية في سورية. وغرد ترامب في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، مباشرة بعد فرار الأسد من سورية إلى روسيا، قائلاً إن مستقبل سورية ليس مسألة تمليها الولايات المتحدة وتقررها. يحتاج السوريون إلى دستور جديد ربما ينتهي الأمر به إلى استيعاب نمط من أنماط اللامركزية والفيدرالية– وهي سمات الدولة المستقبلية التي يحرص قادة "قوات سورية الديمقراطية" وغيرهم من قادة الأقليات الأخرى في سورية على تأمينها وضمان تحققها. وسوف تستغرق صياغة هذا الدستور بالضرورة وقتاً طويلاً وستتطلب الكثير من الصبر، لكنّ السوريين لن يتمكنوا من إجراء الانتخابات إلا عبر دستور قوي.
من المهم أن نتذكر بطبيعة الحال أن الانتخابات في سورية ستكون لها فرصة أفضل لتعزيز الاستقرار الحقيقي والحكم الرشيد إذا عملت الحكومة الانتقالية بالفعل على تطبيق سيادة القانون وحماية الحريات السياسية والفردية، بما في ذلك حرية الرأي والخطاب، وحرية الدين وحرية التجمع، وابتعدت عن ممارسات الاعتقال التعسفي. وعلى الدول الغربية أن تركز على تشجيع دمشق على معاملة السوريين كمواطنين متساوين في دولة واحدة يتمتعون فيها جميعاً بالحقوق الأساسية. وعلى القوى الخارجية أن لا تنحو أو تسعى إلى تأليب الأكراد والمسيحيين والدروز والعلويين والمسلمين السنة على بعضهم بعضاً.
على الولايات المتحدة من جهتها أن تكون مستعدة للتخلي عن "قوات سورية الديمقراطية"، وتشجيعها على الاندماج في هيكليات وبنى سورية الجديدة. كما ينبغي على واشنطن الإصرار على أن القوات الأميركية لن تبقى في سورية لأكثر من عامين إضافيين تزامناً مع تقدم الانتقال في السلطة في شمال شرقي سورية. وتستطيع جميع المجموعات الكردية والعربية التابعة لـ"قوات سورية الديمقراطية" الاندماج في الجيش السوري الجديد ضمن هذا الإطار الزمني. وعلى واشنطن أن تضغط على دمشق و"قوات سورية الديمقراطية"، وعلى الإدارة الكردية المستقلة، للتفاوض على ترتيب انتقالي يغطي المسائل الأمنية، والمستقبل القريب للهياكل الإدارية القائمة في منطقة الإدارة الذاتية، وعلى إعادة إدخال خدمات الحكومة المركزية، بما في ذلك مراقبة الحدود وإعادة فتح المكاتب الإدارية الحكومية المركزية التي تصدر جوازات السفر وتسجل معاملات الأملاك. لكنّ على واشنطن أن لا تغرق في التفاصيل. وهي لا تحتاج إلى ذلك، لكن عليها أن توضح لدمشق مسألة بسيطة: إذا حاولت الحكومة السورية الجديدة تهميش الإدارة الكردية المستقلة وفرضت انتقالاً من دون تعاون كردي، فإن هذا سيشعل نزاعاً جديداً ويعوق محاربة "داعش"، ويؤجل تفكير الولايات المتحدة في تخفيف مزيد من العقوبات. يجب أن تكون رسالة واشنطن إلى "قوات سورية الديمقراطية" بسيطة أيضاً: يعني سقوط نظام الأسد أن الوقت قد حان لتقديم تنازلات صعبة في جوانب الأمن والإدارة في مناطق سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" –بما في ذلك حل هذه القوات تدريجاً.
لا ينبغي على الولايات المتحدة أن تضغط بغية الحصول على حصة أو منصب حكومي محدد للأكراد السوريين أو لأي فئة أخرى. لقد رفضت "هيئة تحرير الشام" فكرة توزيع الحصص على أسس عرقية أو طائفية، واعتبرت نظام التحاصص الإثني والديني الذي دعمته الولايات المتحدة في العراق الجار منذ 20 عاماً نظاماً خاطئاً. ويشكل الانخراط العام المعزز بسيادة القانون وحماية الحريات السياسية والشخصية السبيل الوحيد لبناء ديمقراطية حقيقية في سورية. ستكون العملية بطيئة وفوضوية، وسيكون على السوريين قبل غيرهم حل هذه الأمور، ولكن ينبغي أن لا تكون هناك حاجة إلى أميركية مباشرة على زمام القيادة، أو أحذية عسكرية أميركية على الأرض السورية.
*روبرت س. فورد*: باحث رفيع في "معهد الشرق الأوسط". شغل منصب السفير الأميركي لدى سورية في الأعوام بين 2011 و2014.
هذا المقال مترجم عن "فورين أفيرز" حيث نشر في 8 آذار (مارس) 2025.